تفسير سورة المدثر من الآية أحد عشر إلى الآية خمس وعشرين
- تفسير سورة المدثر من الآية أحد عشر إلى الآية خمس وعشرين
ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) - 14- {ذرني ومن خلقت} أي: كله إلي، يعني الوليد بن الـمغيرة، وكان يلقب في قومه بالوحيد([1]) {وحيدا} ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره، أو من خلقته منفردا بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه {وجعلت له مالا ممدودا} مبسوطا كثيرا، أو ممدا بالنماء وكان له الزرع والضرع والتجارة {وبنين شهودا} حضورا معه بمكة لغناهم عن السفر، وكانوا عشرة أسلم منهم خالد وهشام وعمارة {ومهدت له تمهيدا} وبسطت له الجاه والرئاسة فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا.
- 17- {ثم يطمع أن أزيد} استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، أي: يرجو أن أزيد في ماله وولده من غير شكر {كلا} ردع له وقطع لرجائه، أي: لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه حتى هلك {إنه كان لآياتنا} للقرءان {عنيدا} معاندا جاحدا {سأرهقه} سأغشيه {صعودا} في الحديث: «الصعود جبل من نار يصعد([2]) فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا».
25- {إنه فكر} تعليل للوعيد، كأنه تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز لعناده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد غايته، وتسميته القرءان سحرا، يعني: أنه فكر ماذا يقول في القرءان {وقدر} في نفسه ما يقوله وهيأه {فقتل} لعن {كيف قدر} تعجيب([3]) من تقديره {ثم قتل كيف قدر} كرر للتأكيد {ثم نظر} في وجوه الناس، أو فيما قدر {ثم عبس} قطب([4]) وجهه {وبسر} زاد في التقبض والكلوح([5]) {ثم أدبر واستكبر} عن مقامه وفي مقاله([6]) {فقال إن هذا} ما هذا {إلا سحر يؤثر} يروى عن السحرة. روي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد ءانفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة([7])، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق([8])، وإنه يعلو ولا يعلى، فقالت قريش: صبأ([9]) والله الوليد، فقال أبو جهل – وهو ابن أخيه([10]): أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه، فقام الوليد فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق([11])؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن([12])؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يؤثر عن مسيلمة وأهل بابل([13]) فارتج النادي فرحا وتفرقوا متعجبين منه {إن هذا إلا قول البشر} [ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، إلا كلام ابن ءادم، وما هو بكلام الله].
([1]) قيل: لأنه كان لا نظير له في قومه في كثرة ماله.
([2]) أي: يكلف الكافر ارتقاءه، وهو من نار، ويقال: كلما وضع يده أو رجله أو ركبته على موضع منه ذابت فإذا رفعها عادت.
([3]) الله عالم بكل الأشياء، فالتعجب بمعنى الانفعال يستحيل على الله إنما هو تعجيب لخلقه.
([4]) قبض ما بين الحاجبين كفعل العبوس.
([5]) الكلوح: بدو الأسنان عند العبوس.
([6]) أي: أدبر عن مقامه، واستكبر في مقاله.
([7]) طلاوة بتثليث الطاء: رونقا وحسنا، وربما نطقها الوليد مفتوحة لتزداد المناسبة مع (حلاوة) والله أعلم.
([8]) الغدق: المطر، والـمغدق مفعل منه.
([9]) صبأ: خرج من دينهم إلى دين محمد، وهو الإسلام، وكان كفار قريش يسمون المسلمين الصابئة لخروجهم من عبادة الأوثان إلى دين الإسلام.
([10]) الوليد هو عم أبي جهل، أبو جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة.
([11]) كانوا يعتقدون أن الجن تخنق المجنون.
([12]) كانوا يقولون: الكاهن يتكلم بالمغيبات فيصدق ويكذب، فأما محمد فلم يكذب قط.
([13]) مسيلمة الكذاب من بني حنيفة من أهل اليمامة، وكان مشهورا من قبل البعثة بالكهانة والسحر والشعوذة. وأهل بابل – وهي في العراق – كان السحر منتشرا فيهم، قال تعالى: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت}.
