تفسير سورة المدثر من الآية ستة وعشرين إلى الآية سبعة وثلاثين
- تفسير سورة المدثر من الآية ستة وعشرين إلى الآية سبعة وثلاثين
سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) - 29- {سأصليه} سأدخله {سقر} علم لجهنم {وما أدراك ما سقر} تهويل لشأنها {لا تبقي} لا تبقي لحما {ولا تذر} عظما، أو لا تبقي شيئا يبقى فيها إلا أهلكته، ولا تذره هالكا؛ بل يعود كما كان {لواحة للبشر} جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد، أي: مسودة للجلود ومحرقة لها.
- 31- {عليها} على سقر {تسعة عشر} يلي أمرها تسعة عشر ملكا عند الجمهور، وقيل: صنفا من الملائكة، وقيل: صفا، وقيل: نقيبا([1]) {وما جعلنا أصحاب النار} أي: خزنتها {إلا ملائكة} لأنهم خلاف جنس الـمعذبين، فلا تأخذهم الرأفة والرقة، لأنهم أشد الخلق بأسا، فللواحد منهم قوة الثقلين([2]) {وما جعلنا عدتهم} تسعة عشر {إلا فتنة} ابتلاء واختبارا {للذين كفروا} حتى قال أبو جهل لما نزلت {عليها تسعة عشر}: أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحدا منهم وأنتم الدهم([3])؟ فقال أبو الأشد، وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، فنزلت: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي: وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا العدد – مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل -: إن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم([4])، وستة يضربونهم بمقامع الحديد، والآخر خازن جهنم، وهو مالك وهو الأكبر، [وقيل غير ذلك] {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين([5])، فإذا سمعوا بمثلها في القرءان أيقنوا أنه منزل من الله {ويزداد الذين ءامنوا} بمحمد {إيمانا} لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، أو يزدادوا يقينا لموافقة كتابهم كتاب أولئك {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} توكيد للاستيقان وزيادة الإيمان {وليقول الذين في قلوبهم مرض} نفاق {والكافرون} المشركون، فإن قلت: النفاق ظهر في المدينة والسورة مكية! قلت: معناه: وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكة {ماذا أراد الله بهذا مثلا} وهذا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب. ولما كان ذكر هذا العدد [عندهم] في غاية الغرابة، وأن مثله حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلا [أي: ماذا أراد الله بهذا المثل] {كذلك يضل الله من يشاء} إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، يعني إضلال المنافقين والمشركين حتى قالوا ما قالوا، وهدى المؤمنين بتصديقه ورؤية الحكمة في ذلك، يضل الله من يشاء من عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال {ويهدي من يشاء} وهو الذي علم منه اختيار الاهتداء، وفيه دليل خلق الأفعال، ووصف الله بالهداية والإضلال. لما قال أبو جهل لعنه الله: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر، نزل: {وما يعلم جنود ربك} لفرط كثرتها {إلا هو} فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها {وما هي} وما سقر وصفتها {إلا ذكرى للبشر} تذكرة للبشر.
37- {كلا} إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون {والقمر} أقسم به لعظم منافعه {والليل إذ أدبر} ولى وذهب {والصبح إذا أسفر} أضاء، وجواب القسم: {إنها} إن سقر {لإحدى الكبر} هي جمع الكبرى أي: لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر {نذيرا} أي: إنها لإحدى الدواهي إنذارا {للبشر(36) لمن شاء منكم أن يتقدم} إلى الخير {أو يتأخر} عنه.
([1]) النقيب: العريف، وقيل: الرئيس الأكبر.
([4]) القود: نقيض السوق، فالقود من أمام، والسوق من خلف، يقال: قاد الدابة من أمامها وساقها من خلفها.
