تفسير سورة محمد من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
- تفسير سورة محمد من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم (20) - {ذلك} أي: نصر المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين {بأن الله مولى الذين ءامنوا} وليهم وناصرهم {وأن الكافرين لا مولى لهم} لا ناصر لهم، فالله مولى العباد جميعا من جهة الاختراع وملك التصرف فيهم، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة.
- {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون} ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل {ويأكلون} غافلين غير متفكرين في العاقبة {كما تأكل الأنعام} في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح {والنار مثوى لهم} منزل ومقام.
- {وكأين من قرية} أي: وكم من قرية، وأراد بالقرية أهلها {هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} أي: وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الذين أخرجوك، أي كانوا سبب خروجك {أهلكناهم فلا ناصر لهم} فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم.
- {أفمن كان على بينة من ربه} على حجة من عنده وبرهان، وهو القرءان المعجز وسائر المعجزات، يعني رسول الله ﷺ {كمن زين له سوء عمله} هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله {واتبعوا أهواءهم} [في عبادة الأوثان؟! أي: لا مماثلة بينهما].
- {مثل الجنة} صفة الجنة العجيبة الشأن {التي وعد المتقون} عن الشرك {فيها أنهار من ماء غير ءاسن} غير متغير اللون والريح والطعم [كما يتغير ماء الدنيا لعارض، كطول الـمكث] {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها {وأنهار من خمر لذة} [لذيذة] {للشاربين} أي: ما هو إلا التلذذ الخالص، لس معه ذهاب عقل، ولا خمار([1])، ولا صداع، ولا ءافة من ءافات الخمر {وأنهار من عسل مصفى} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره {ولهم فيها من كل الثمرات} [من كل أصنافها يأكلون منها ما يشاؤون] {ومغفرة من ربهم} [وعفو من الله تعالى لهم عن ذنوبهم التي أذنبوها في الدنيا ثم تابوا منها وصفح عن العقوبة عليها] {كمن هو خالد في النار} والتقدير: أمثل [من هو صائر إلى الجنة التي صفتها ما وصفنا وهو خالد فيها] كمثل من هو خالد في النار؟! [ومعناه النفي والإنكار] {وسقوا ماء حميما} حارا في النهاية {فقطع أمعاءهم} [فخرجت من أدبارهم].
- {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا} هم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالا تهاونا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} [ختم الله على قلوبهم فهم لا يهتدون للحق] {واتبعوا أهواءهم} [اتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم، فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقة أو برهان].
- {والذين اهتدوا} بالإيمان واستماع القرءان {زادهم} الله {هدى} علما وبصيرة، أو شرح ضدر {وءاتاهم تقواهم} أعانهم عليها، أو ءاتاهم جزاء تقواهم.
- {فهل ينظرون} أي: ينتظرون {إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} فجأة [أي: ما ينتظر هؤلاء بتأخيرهم الإيمان إلا الساعة، فإن كانوا ينتظرونها فهي لا تأتيهم إلا فجأة، فإن أتتهم فجأة لم يغن الإيمان حينئذ، وإن أرادوا الإيمان عند دنوها لينفعهم فهذا وقته] {فقد جاء أشراطها} علاماتها، وهو مبعث محمد ﷺ وانشقاق القمر والدخان([2])، وقيل: قطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [فكيف ومن أين لهم الخلاص إذا تذكروا ما كانوا يخبرون به فيكذبون به، أي لا ينفعهم وقد جاءتهم الساعة].
- {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع، وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذبوب من على دينك {والله يعلم متقلبكم} في معايشكم ومتاجركم {ومثواكم} ويعلم حيث تستقرون من منازلكم، أو {متقلبكم} في حياتكم {ومثواكم} في القبور، أو {متقلبكم} في أعمالكم {ومثواكم} في الجنة والنار، [وهو] حقيق بأن يتقى ويخشى وأن يستغفر، وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فأمر بالعمل بعد العلم.
{ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} فيها ذكر الجهاد {فإذا أنزلت سورة} في معنى الجهاد {محكمة} مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال {وذكر فيها القتال} أمر فيها بالجهاد {رأيت الذين في قلوبهم مرض} نفاق، أي رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} تشخص([3]) أبصارهم جبنا وجزعا [كما ينظر من يغمى عليه من حضور أسباب الموت، أو من خوف الموت في القتال] {فأولى لهم} وعيد بمعنى فويل لهم، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
([1]) الخمار: الصداع، وقيل: بقية السكر.
([2]) المراد به الدخان الوارد في حم الدخان في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} [الدخان: 10].
([3]) شخوص البصر: ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه، وشخص بصر فلان: إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف.
