تفسير سورة محمد من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثلاثين
- تفسير سورة محمد من الآية واحد وعشرين إلى الآية ثلاثين
طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) - {طاعة وقول معروف} كلام مستأنف، أي: طاعة وقول معروف خير لهم، [أي أولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض أن يطيعوا ويقولوا قولا موافقا للشرع] {فإذا عزم الأمر} فإذا جد الأمر ولزمهم فرض القتال {فلو صدقوا الله} في الإيمان والطاعة والحرص على الجهاد كما زعموا {لكان} الصدق {خيرا لهم} من كراهة الجهاد.
ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب لضرب من التوبيخ والإرهاب فقال:
- {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور([1]) والتناهب وقطع الأرحام ووأد البنات.
- {أولئك} إشارة إلى المذكورين {الذين لعنهم الله} أبعدهم عن رحمته {فأصمهم} عن استماع الـموعظة {وأعمى أبصارهم} عن إبصار طريق الهدى.
- {أفلا يتدبرون القرءان} فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا([2]) على المعاصي، [وهو استفهام توبيخ] {أم على قلوب أقفالها} بمعنى: بل قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر، والمراد قلوب المنافقين.
- {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} أي: المنافقون رجعوا إلى الكفر سرا بعد وضوح الحق لهم، [قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم ماتت قلوبهم. والآية تتناول كل من دخل في ضمن لفظها] {الشيطان سول} زين {لهم وأملى لهم} ومد لهم في الآمال والأماني.
- {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} أي: المنافقون قالوا لليهود، [أو لمشركي مكة، أو هو قول اليهود والمنافقين لمشركي مكة]: {سنطيعكم في بعض الأمر} أي: عداوة محمد والقعود عن نصرته {والله يعلم إسرارهم} [قالوا ذلك سرا فأفشاه الله عليهم].
- {فكيف إذا توفتهم الملائكة} فكيف يعملون وما حيلتهم [إذا جاءتهم الملائكة فقبضت أرواحهم وهم] {يضربون وجوههم وأدبارهم} [والأدبار: الأعجاز].
- {ذلك} إشارة إلى التوفي الموصوف {بأنهم} بسبب أنهم {اتبعوا ما أسخط الله} من معاونة الكافرين {وكرهوا رضوانه} من نصرة المؤمنين {فأحبط أعمالهم} [فأبطل الله ثواب أعمالهم لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته، فلم تنفع عاملها].
- {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} أحقادهم، والمعنى: أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين؟!
{ولو نشاء لأريناكهم} لعرفناكهم {فلعرفتهم بسيماهم} بعلامتهم، وهو أن يسمهم الله تعالى بعلامة يعلمون بها {ولتعرفنهم في لحن القول} في نحوه وأسلوبه من فحوى كلامهم، لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم [فيميلونه إلى جهة تعريض وتورية، كانوا يصطلحن بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح] {والله يعلم أعمالكم} فيميز خيرها من شرها [فيجازيكم على حسب ذلك].
