تفسير سورة محمد من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة محمد ﷺ
وقيل سورة القتال مدنية وقيل مكية وهي
ثمان وثلاثون ءاية أو تسع وثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة محمد من الآية واحد إلى الآية عشرة
الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10)
- {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه {أضل أعمالهم} أبطلها وأحبطها، وحقيقته: جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، وأعمالهم ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ والصد عن سبيل الله.
- {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} هم ناس من قريش، أو من الأنصار، أو من أهل الكتاب، أو عام {وءامنوا بما نزل على محمد} وهو القرءان، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه {وهو الحق من ربهم} أي: القرءان {كفر عنهم سيئاتهم} ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم {وأصلح بالهم} أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
- {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} أي: ذلك الأمر – وهو إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الثاني، والإصلاح – كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان، وهؤلاء الحق وهو القرءان {كذلك} مثل ذلك الضرب {يضرب الله} يبين الله {للناس أمثالهم} يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
- {فإذا لقيتم الذين كفروا} [في] الحرب {فضرب الرقاب} فاضربوا الرقاب ضربا {حتى إذا أثخنتموهم} أكثرتم فيهم القتل، [وقهرتم من لم تضربوا عنقه منهم] {فشدوا الوثاق} فشدوا وثاق الأسرى حتى لا يفلتوا منكم {فإما منا بعد} بعد أن تأسروهم {وإما فداء} فإما تمنون منا([1])، وإما تفدون فداء، والمعنى التخيير بين الأمرين بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم، والمراد بالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المسلمين {حتى تضع الحرب أوزارها} أثقالها وءالاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع([2])، وقيل: أوزارها ءاثامها، يعني حتى يترك أهل الحرب – وهم المشركون – شركهم بأن يسلموا، و{حتى} لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد، أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه الله أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى ألا يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة([3]) {ذلك} أي: الأمر ذلك {ولو يشاء الله لانتصر منهم} لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك {ولكن} أمركم بالقتال {ليبلو بعضكم ببعض} أي: المؤمنين بالكافرين، تمحيصا([4]) للمؤمنين، وتمحيقا([5]) للكافرين {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [فلن يبطل الله أعمالهم كما أضل أعمال الكفار، بل يثيبهم عليها أعظم الثواب].
- {سيهديهم} إلى طريق الجنة [في الآخرة] {ويصلح بالهم} [شأنهم، وقيل: لا يخطر ببالهم فيها إلا ما يفرحون به].
- {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا، [روي: إن أحدهم لأعرف بمنازلهم في الآخرة منه بمنازله في الدنيا([6])]، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
- {يا أيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله} أي: دين الله ورسوله {ينصركم} على عدوكم ويفتح لكم {ويثبت أقدامكم} في مواطن الحرب أو على محجة([7]) الإسلام.
- {والذين كفروا فتعسا لهم} [أي: هلاكا وخيبة] {وأضل أعمالهم} يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار.
- {ذلك} التعس والضلال {بأنهم كرهوا ما أنزل الله} أي: القرءان [المشتمل على التكاليف] {فأحبط أعمالهم} [وكرر ذكر إضلال العمل وإحباط العمل ليكونوا كلما ذكروا يتصل ذكرهم بالذم والتحقير والإخبار بسوء الحال عند الله؛ كالمعهود في ذكر الأخيار، كلما أعيد ذكرهم وصل به رحمة الله، وفي حق الصحابة رضي الله عنهم، وفي حق النبي ﷺ].
{أفلم يسيروا في الأرض} يعني: كفار مكة {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم} أهلكهم هلاك استئصال {وللكافرين} ولمشركي قريش {أمثالها} أمثال تلك الهلكة، لأن التدمير يدل عليها.
([1]) الـمن: الإحسان والإنعام.
([2]) الكراع: السلاح، وقيل: هو اسم يجمع الخيل والسلاح.
([4]) التمحيص: الاختبار والابتلاء.
([5]) الـمحق: النقص والمحو والإبطال، والمحق: أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
([6]) صح في البخاري أن النبي ﷺ قال: «فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا».
