تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40) - {ومن يقنت منكن لله ورسوله} القنوت: الطاعة {وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} مثلي ثواب غيرها {وأعتدنا لها رزقا كريما} جليل القدر وهو الجنة.
- {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [بل لكن فضيلة وشرف بأنكن زوجات رسول الله ﷺ في الدنيا والآخرة] {إن اتقيتن} إن أردتن التقوى، أو إن كنتن متقيات {فلا تخضعن بالقول} إذا كلمتن الرجال من وراء حجاب، فلا تجئن بقولكن خاضعا، أي لينا خنثا([1]) مثل كلام الـمريبات([2]) {فيطمع الذي في قلبه مرض} ريبة وفجور {وقلن قولا معروفا} حسنا [يعرف أنه كلام العفائف الصالحات الصائنات].
- {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} أي القديمة [أمرهن الله تعالى بملازمة بيوتهن، ونهاهن عن التبرج]، والتبرج: التبختر في المشي، أو إظهار الزينة [للأجانب بقصد أن يستحلوهن]، والتقدير: ولا تبرجن تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى، وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم، أو ما بين ءادم ونوح، أو زمن داود وسليمان عليهم السلام، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} خص الصلاة والزكاة بالأمر ثم عم بجميع الطاعات تفضيلا لهما، لأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} [الإثم يا] {أهل البيت} فيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. وقال: {عنكم}، لأنه أريد الرجال والنساء من ءاله بدلالة {ويطهركم تطهيرا} من نجاسة الآثام، ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى.
- {واذكرن([3]) ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} القرءان {والحكمة} السنة {إن الله كان لطيفا} عالما بغوامض الأشياء {خبيرا} عالما بحقائقها.
ولما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلت:
- {إن المسلمين والمسلمات} الـمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب المنقاد لا يعاند {والمؤمنين} المصدقين بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به {والمؤمنات والقانتين} القائمين بالطاعة {والقانتات والصادقين} في النيات والأقوال والأعمال {والصادقات والصابرين والصابرات} على الطاعات وعن السيئات {والخاشعين} المتواضعين لله بالقلوب والجوارح، أو الخائفين {والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات} فرضا ونفلا {والصائمين والصائمات} فرضا ونفلا {والحافظين فروجهم} عما لا يحل {والحافظات والذاكرين الله كثيرا} بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرءان، والاشتغال بالعلم من الذكر {والذاكرات} الله، ومعناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} على طاعاتهم.
خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بنت عمته أميمة على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت:
- {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} وما صح لرجل مؤمن ولا امرأة مؤمنة {إذا قضى الله ورسوله} أي رسول الله، [وذكر الله تعالى لتعظيم أمره، والإشعار بأن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله تعالى] {أمرا} من الأمور {أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا([4]) لاختياره، فقالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق.
- {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} بالإسلام الذي هو أجل النعم {وأنعمت عليه} بالإعتاق والتبني [- وذلك قبل نزول النهي عن التبني كما مر -]، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله، وهو زيد بن حارثة {أمسك عليك زوجك} زينب بنت جحش، ألقى الله في [نفس زيد] كراهة صحبتها والرغبة عنها، فقال لرسول الله ﷺ: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: «ما لك، أرابك منها شيء؟» قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها([5]) وتؤذيني، فقال له: «أمسك عليك زوجك» {واتق الله} فلا تطلقها. وهو نهي تنزيه، إذ الأولى ألا يطلق {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد [لأن الله تعالى أعلمه بوحي غير قرءان([6]) أن زيدا سيطلقها وأنها ستصير زوجته]، وهو الذي أبداه الله تعالى [لأنه تعالى أراد إبطال ما كان عليه الناس قبل البعثة من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا له] {وتخشى الناس} أي قالة الناس بأنه نكح امرأة ابنه {والله أحق أن تخشاه} [في كل شيء فتفعل ما أوحى لك به ولا عليك من قالة الناس]، عن عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية([7]) {فلما قضى زيد منها وطرا} الوطر: الحاجة، والمعنى: فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وطلقها وانقضت عدتها {زوجناكها} روي أنها لما اعتدت قال رسول الله ﷺ لزيد: «ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اخطب علي زينب» قال زيد: فانطلقت، وقلت: يا زينب، أبشري إن رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت، وتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار([8]) {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله} [مقضيه] الذي يريد أن يكونه {مفعولا} مكونا لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب.
- {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} أحل له وأمر له، وهو نكاح زينب، أو قدر له من عدد النساء {سنة الله}، كأنه قيل: سن الله سنة في الأنبياء الماضين ألا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهاثر([9]) والسراري، وكانت لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية {في الذين خلوا من قبل} في الأنبياء الذين مضوا من قبل {وكان أمر الله قدرا مقدورا} قضاء مقضيا وحكما مبتوتا:
- {الذين يبلغون رسالات الله} أي هم الذين يبلغون {ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} وصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا الله {وكفى بالله حسيبا} كافيأ للمخاوف.
{ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، والمراد من رجالكم البالغين، والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ، والطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم توفوا صبيانا {ولكن} كان {رسول الله} وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم([10]) ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم {وخاتم النبيين} ءاخرهم، يعني لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعة محمد ﷺ كأنه بعض أمته {وكان الله بكل شيء عليما} [من مصالح العباد وكل شيء].
([2]) الـمريبات: المواقعات الشك في طهارتهن.
([3]) قوله تعالى: {واذكرن} فيه رد صريح لقول من يقول: إن أزواج الرسول ما دخلن في هذه الآية، وتخصيصه أهل البيت بعلي عليه السلام، ولا دليل لهم في قوله تعالى: {عنكم}. وإنما عبر بلفظ المذكر لأنه أرادهن مع الرجال من ءاله عليه الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى في سارة: {أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} [هود: 73]. الملائكة كانت تخاطب أولا بلفظ التأنيث، وهو «أتعجبين» ثم ذكر اللفظ في «عليكم» ليشملها مع إبراهيم وابنه إسماعيل وهاجر سريته.
([6]) أما وحي القرءان فالنبي عليه الصلاة والسلام يبلغه فورا ولا يؤخر تبليغه ولا يخفيه.
([7]) معناه: هذا دليل على أن الرسول لا يكتم شيئا مما أمر بتبليغه.
