تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) - {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} قدوة وهو المؤتسى به، أي المقتدى به {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو يأمر ثواب الله ونعيم الآخرة {وذكر الله كثيرا} في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء.
- {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} لما جاء الأحزاب [واضطرب المؤمنون] ورعبوا الرعب الشديد {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} وعلموا أن الجنة والنصر قد وجبا لهم([1]) [تسليما منهم لأمر الله وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم الذي وعدهم بقوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} إلى قوله: {إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] {وما زادهم} ما رأوا من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم {إلا إيمانا} بالله وبمواعيده {وتسليما} لقضائه وقدره.
- {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أي فيما عاهدوه عليه [من الثبات مع النبي ﷺ] {فمنهم من قضى نحبه} مات شهيدا كحمزة ومصعب، وقضاء النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حي من الـمحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه، أي نذره {ومنهم من ينتظر} الموت، أي على الشهادة {وما بدلوا} العهد {تبديلا} ولا غيروه، لا الـمستشهد، ولا من ينتظر الشهادة، وفيه تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب.
- {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} بوفائهم بالعهد {ويعذب المنافقين إن شاء} [بأن يميتهم على نفاقهم] {أو يتوب عليهم} [بأن يوفقهم للرجوع عن النفاق والدخول في الإسلام قبل الموت] {إن الله كان غفورا} بقبول التوبة {رحيما} بعفو الحوبة.
- {ورد الله الذين كفروا} الأحزاب {بغيظهم} مغيظين {لم ينالوا خيرا} ظفرا، أي لم يظفروا بالمسلمين، وسماه خيرا بزعمهم {وكفى الله المؤمنين القتال} بالريح والملائكة [فلم يحوجوهم إلى قتال في دفع عدوهم] {وكان الله قويا عزيزا} [ولم يزل] قادرا غالبا.
- {وأنزل الذين ظاهروهم} عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب} [وهم يهود] بني قريظة [وكانوا ذمة لرسول الله ﷺ فنقضوا العهد وغدروا] {من صياصيهم} من حصونهم، الصيصية: ما تحصن به، روي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم فقال: يا رسول الله إن الله يأمرك بالـمسير إلى بني قريظة وإنهم لكم طعمة، فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة [فخرجوا إليهم] وحاصروهم خمسا وعشرين ليلة [فنزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه – وكان سيد الأوس – لحلف كان بينهم رجوا بذلك حنوه عليهم فحكم] أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم {وقذف في قلوبهم الرعب} الخوف {فريقا تقتلون} وهم الرجال {وتأسرون فريقا} وهم النساء والذراري.
- {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} أي المواشي والنقود والأمتعة {وأرضا لم تطؤوها} بقصد القتال، وهي مكة، أو فارس والروم، أو خيبر، أو كل أرض تفتح إلى يوم القيامة {وكان الله على كل شيء قديرا} قادرا، [فيقدر على ذلك ولا يعجزه].
- {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} أي السعة في الدنيا وكثرة الأموال {فتعالين أمتعكن} أعطكن متعة الطلاق([2]) {وأسرحكن} وأطلقكن {سراحا جميلا} لا ضرار فيه، أردن شيئا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن([3])، فغم ذلك رسول الله ﷺ فنزلت، فبدأ بعائشة رضي الله عنها، وكانت أحبهن إليه، فخيرها وقرأ عليها القرءان، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ، ثم اختار جميعهن اختيارها، روي أنه قال لعائشة: «إني ذاكر لك أمرا ولا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري([4]) أبويك»، ثم قرأ عليها القرءان، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي!؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
- {وإن كنتن تردن الله ورسوله} [أي رضا الله ورسوله] {والدار الآخرة} [أي ثواب الآخرة دون زينة الدنيا] {فإن الله أعد للمحسنات منكن} [بإرادة الآخرة] {أجرا عظيما} [في الجنة].
{يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة} سيئة بليغة في القبح {مبينة} ظاهر فحشها، قيل: هي عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن {يضاعف لها العذاب ضعفين} ضعفي عذاب غيرهن من النساء، لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، [وهذا لشرفهن وقدرهن بصحبة النبي ﷺ، فتفحش جنايتهن وتغلظ عقوبتهن، وكذلك طاعتهن وثوابهن] {وكان ذلك} تضعيف العذاب عليهن {على الله يسيرا} هينا.
([2]) المتعة: مال يعطى للمطلقة على تفصيل في ذلك بين وجوبه واستحبابه ومن طلقت بسبب منها أو بغير سبب وغير ذلك، يطلب تفصيل ذلك من كتب الفقه.
