تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) - {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} أثنوا عليه بضروب([1]) الثناء وأكثروا ذلك.
- {وسبحوه بكرة} أول النهار {وأصيلا} ءاخر النهار، وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون([2]) فيهما.
- {هو الذي يصلي عليكم} [أي يرحمكم] حيث يدعكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر([3]) على الصلاة والطاعة {وملائكته} [بالاستغفار لكم والدعاء، فالصلاة من الله تعالى على العبد هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم] {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة {وكان بالمؤمنين رحيما} هو دليل على أن المراد بالصلاة [من الله تعالى] الرحمة.
- {تحيتهم} أي تحية الله لهم {يوم يلقونه} يرونه {سلام} [إخبار بالسلامة من الآفات والأمن من المخافات، وجائز أن يكون تحية الملائكة عليهم سلام كقوله تعالى: {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24]، أو تحية بعضهم لبعض سلام أي أمن لكم من عذاب الله أبدا] {وأعد لهم أجرا كريما} يعني الجنة.
- {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أيمقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم {ومبشرا} للمؤمنين بالجنة {ونذيرا} للكافرين بالنار,
- {وداعيا إلى الله بإذنه} بأمره أو بتيسيره {وسراجا منيرا} جلا به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به، والجمهور على أنه القرءان فيكون التقدير: وذا سراج منير [أي كتاب نير]، أو تاليا سراجا منيرا، [وقيل تقديره: وجعلناك سراجا منيرا، فالسراج المنير على هذا التأويل هو الرسول ﷺ].
- {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} ثوابا عظيما.
- {ولا تطع الكافرين والمنافقين} المراد به التهييج والدوام والثبات على ما كان عليه {ودع أذاهم} اجعل إيذاءهم إياك في جانب ولا تبال بهم ولا تخف من إيذائهم {وتوكل على الله} فإنه يكفيكهم وكفى بالله وكيلا} وكفى به مفوضا إليه.
- {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أي تزوجتم، وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [أي قبل أن تجامعوهن]، والخلوة الصحيحة كالمس([4]) {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} فيه دليل على أن العدة تجب على النساء للرجال، ومعنى تعتدونها تستوفون عددها {فمتعوهن} والمتعة تجب للتي طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهر، [فإن سمي لها مهر فالواجب لها نصف المسمى، والمتعة مستحبة] {وسرحوهن سراحا جميلا} لا تمسكوهن ضرارا، وأخرجوهن من منازلكم، إذ لا عدة لكم عليهن.
{يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} مهورهن، وإيتاؤها إعطاؤها عاجلا، أو فرضها وتسميتها في العقد {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} [أي أغنمك من غنائم المشركين، أحل لك أن تضمها إلى نفسك بالملك دون النكاح] وهي صفية([5]) وجويرية([6]) فأعتقهما وتزوجهما {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك {وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} و«مع» ليس للقران بل لوجودها فحسب كقوله تعالى: {وأسلمت مع سليمان} [النمل: 44]. وعن أم هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت، فعذرني، فأنزل الله هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أهاجر معه {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، قيل: هو بيان حكم في المستقبل ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة، وقيل: الواهبة نفسها ميمونة بنت الحارث([7])، [وقيل غير ذلك] {إن أراد النبي أن يستنكحها} استنكاحها طلب نكاحها والرغبة فيه {خالصة} بلا مهر {لك من دون المؤمنين} بل يجب المهر لغيرك وإن لم يسمه أو نفاه {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم، أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق {وما ملكت أيمانهم} بالشراء، وغيره من وجوه الـملك([8])، وقوله: {لكيلا يكون عليك حرج} ضيق، متصل بـ{خالصة لك من دون المؤمنين}، [وما بينهما] جملة اعتراضية {وكان الله غفورا رحيما} بالتوسعة على عباده.
([2]) الملائكة الموكلون بابن ءادم يجتمعون عند العصر وعند صلاة الصبح، ثم الذين كانوا قبلا يصعدون والذين نزلوا الآن يثبتون مع العبد إلى مثل ذلك الوقت.
([3]) التوفر على الشيء: صرف الهمة إليه.
([4]) هذا عند الإمام أبي حنيفة، أي أن الخلوة الصحيحة توجب كمال الصداق كالمماسة وإن لم يحصل جماع، والخلوة الصحيحة هي أن يختلي بها بحيث يمكن الوطء بألا يكون أحدهما محرما أو مريضا، أو لم تكن حائضا أو صائمة في رمضان مثلا، أما عند الإمام الشافعي فيجب لها قبل الوطء نصف المهر ولا يتمم لها المهر بالخلوة كيفما كانت إلا بالوطء.
([5]) صفية: أم المؤمنين، صفية بنت حيي بن أخطب، من أهل المدينة، توفيت عام 50هـ.
([6]) جويرية: أم المؤمنين، جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من خزاعة، كانت من فضليات النساء أدبا وفصاحة، توفيت عام 56هـ.
([7]) أم المؤمنين، ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي ءاخر امرأة تزوجها النبي ﷺ، توفيت قرب مكة ودفنت هناك عام 51هـ.
