تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد وخمسين إلى ستين
ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا (55) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) - {ترجي} تؤخر {من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} تضم، بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض، لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم، وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} ومن طلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء فلا ضيق عليك في ذلك، أي ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك {ذلك} التفويض إلى مشيئتك {أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} أي أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا، لأنهن إذا علمن أن هذا التفويض من عند الله اطمأنت نفوسهن، وذهب التغاير، وحصل الرضا، وقرت العيون {والله يعلم ما في قلوبكم} [أيها العباد من الرجال والنساء من محبة البعض لبعض] {وكان الله عليما} بذات الصدور {حليما} لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر.
- {لا يحل لك النساء من بعد} من بعد التسع، لأن التسع نصاب رسول الله ﷺ من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمته {ولا أن تبدل بهن من أزواج} بالطلاق، والمعنى وأن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر بكلهن أو بعضهن كرامة لهن وجزاء على ما اخترن ورضين [حين خيرهن رسول الله ﷺ بين اختيار الدنيا وزينتها وتسريحهن وبين اختيار رسول الله ﷺ فاخترن رسول الله والدار الآخرة]، فقصر رسول الله ﷺ عليهن وهن التسع اللاتي مات عنهن: عائشة، حفصة، أم حبيبة، سودة، أم سلمة، صفية، ميمونة، زينب بنت جحش، جويرية {ولو أعجبك حسنهن} تقديره: مفروضا إعجابك بهن. وعن عائشة وأم سلمة: منا مات رسول الله ﷺ حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء، يعني: أن الآية نسخت، ونسخها إما بالسنة أو بقوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف {إلا ما ملكت يمينك} استثنى ممن حرم عليه الإماء {وكان الله على كل شيء رقيبا} حافظا [لا يغيب عنه علم شيء].
- {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي غير منتظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، وإنىٰ الطعام: إدراكه، وقيل: إناه: وقته، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. وروي أن النبي ﷺ أولم على زينب بتمر وسويق وشاة، وأمر أنسا أن يدعو بالناس، فترادفوا أفواجا، يأكل فوج ويخرج، ثم يدخل فوج إلى أن قال: يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا، فقام رسول الله ﷺ ليخرجوا، فطاف بالحجرات وسلم عليهن ودعون له، ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليا خرجوا، فرجع ونزلت {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} فتفرقوا {ولا مستأنسين لحديث} نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [يشق عليه بتضييقكم المنزل عليه وعلى أهله] {فيستحيي منكم} من إخراجكم {والله لا يستحيي من الحق} يعني أن إخراجكم حق [والله تعالى] لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم {وإذا سألتموهن} الضمير لنساء النبي عليه الصلاة والسلام لدلالة {بيوت النبي}، لأن فيها نساءه {متاعا} عارية أو حاجة([1]) {فاسألوهن} المتاع {من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من خواطر الشيطان وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال([2])، وكان عمر رضي الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجا فنزلت. {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} وما صح لكم إيذاء رسول الله ﷺ [في كل ما يتأذى به] ولا نكاح أزواجه من بعد موته {إن ذلكم كان عند الله عظيما} أي ذنبا عظيما.
- {إن تبدوا شيئا} من إيذاء النبي ﷺ أو من نكاحهن {أو تخفوه} في أنفسكم من ذلكم {فإن الله كان بكل شيء عليما} فيعاقبكم به.
ولما نزلت ءاية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله، أونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزل:
- {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن} أي نساء المؤمنات {ولا ما ملكت أيمانهن} لا إثم عليهن في ألا يحتجبن من هؤلاء، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين وقد جاءت تسمية العم أبا، قال الله تعالى: {وإلـه ءابائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق} [البقرة: 133] وإسماعيل عم يعقوب {واتقين الله} فيما أمرتن به من الاحتجاب، وأنزل فيه الوحي من الاستتار واحتطن فيه {إن الله كان على كل شيء شهيدا} عالما يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح.
- {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة والرضوان، وصلاة الملائكة على النبي ﷺ: الدعاء كصلاتنا عليه] {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} قولوا: اللهم صل على محمد، أو: صلى الله على محمد {وسلموا تسليما} قولوا: اللهم سلم على محمد، أو انقادوا لأمره وحكمه انقيادا.
- {إن الذين يؤذون الله ورسوله} أي يؤذون رسول الله ﷺ، وذكر اسم الله للتشريف، أو عبر بإيذاء الله ورسوله ﷺ عن فعل ما لا يرضى به الله ورسوله ﷺ، كالكفر وإنكار النبوة مجازا([3]) {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} طردهم الله من رحمته في الدارين {وأعد لهم عذابا مهينا} في الآخرة.
- {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} [أي بغير جناية استحقوا بها الإيذاء]، أطلق إيذاء الله ورسوله ﷺ وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن ذاك يكون غير حق أبدا، أما هذا فمنه حق كالحد والتعزير، ومنه باطل، قيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليا رضي الله عنه ويسمعونه، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات {فقد احتملوا} تحملوا {بهتانا} كذبا عظيما {وإثما مبينا} ظاهرا.
- {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} الجلباب: ما يستر الكل مثل الـملحفة، عن الـمبرد، [وقال الخليل: الجلباب ثوب أوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها]. ومعنى {يدنين عليهن من جلابيبهن}: يرخينها عليهن [من الرأس إلى أسفل]، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام تبرز المرأة في درع وخمار لا فضل بين الحرة والأمة [يكشفن العنق وشيئا من النحر]، وكان [فسقة] الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بحسبان الأمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الملاحف فلا يطمع فيهن طامع([4])، وذلك قوله: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرض لهن {وكان الله غفورا} لما سلف مهن م التفريط {رحيما} بتعليمهن ءاداب المكارم.
{لئن لم ينته المنافقون} [الذين يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان] {والذين في قلوبهم مرض} فجور، وهم الزناة من قوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} [سورة الأحزاب: 32] {والمرجفون في المدينة} هم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ﷺ فيقولون: هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين، يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة {لنغرينك بهم} لنأمرنك بقتالهم، أو لنسلطنك عليهم {ثم لا يجاورونك فيها} في المدينة {إلا قليلا} زمانا قليلا، والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والـمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل الأفعال التي تسوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى ألا يساكنوك فيها إلا زمانا قليلا ريثما يرتحلون.
([1]) أي على سبيل الاستعارة أو على سبيل الهبة.
([2]) مع ستر ما يجب عليهن ستره أمامهم.
([3]) لأن الله في الحقيقة لا يناله أذى، لأنه يستحيل أن يحصل له ضرر من غيره كما يستحيل عليه الانتفاع بغيره.
([4]) ستر الوجه غير واجب على النساء بالإجماع، وليس المراد بالـملحفة تغطية الوجه. وقد جاءت الآية الأخرى: {وليضرب بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] بذكر الجيوب دون الوجه، والجيوب جمع جيب، وهو موضع العنق من القميص، أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور، قال الحاف أبو الحسن بن القطان المالكي في «كتابه النظر في أحكام النظر»: «إن كثيرا انحرفوا عن فهم هذه الآية، فاعتقدوا وجوب ستر المرأة وجهها إذا خرجت، وهذا خلاف الإجماع». وليس في الآية وجوب لبس الجلباب للمرأة، فقد تواردت نصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة أن الواجب على المسلمة في الصلاة وخارجها أمام الأجانب تغطية جميع بدنها إلا وجهها وكفيها بما يستر لون البشرة وكراهة ما كان ضيفا من ذلك. نعم لو قيل: إن لبس الجلباب للمرأة شيء حسن أو مستحب أو سنة لكان صوابا لأنه زيادة في الستر المطلوب للمرأة، وكذلك يقال في ستر المرأة وجهها.
