تفسير سورة هود من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة هود من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) - {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز} ابنة تسعين سنة {وهذا بعلي شيخا} ابن مائة وعشرين سنة {إن هذا لشيء عجيب} أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة.
- {قالوا أتعجبين من أمر الله} قدرته وحكمته {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة {إنه حميد} محمود بتعجيل النعم {مجيد} ظاهر الكرم بتأجيل النقم.
- {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} الفزع وهو ما أوجس من الخيفة حين نكر أضيافه {وجاءته البشرى} بالولد {يجادلنا} [يسأل رسلنا من الملائكة ويحاورهم] {في قوم لوط} أي لـما اطمأن قلبه فرغ للمجادلة؛ ومجادلته إياهم أنهم قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون مؤمنا أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ العشرة، قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال لم: إن فيها لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله.
- {إن إبراهيم لحليم} غير عجول على كل من أساء إليه {أواه} [الأواه: الرحيم بعباد الله، قاله ابن مسعود والحسن وقتادة، والأواه: الدعاء الذي يكثر الدعاء، قاله ابن مسعود أيضا، ولا يصح تفسيره بكثير التأوه لأن التأوه ليس ذكرا فلا يليق وصف إبراهيم بالإكثار منه] {منيب} تائب راجع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة كما حمله على الاستغفار لأبيه، فقالت الملائكة:
- {يا إبراهيم أعرض عن هذا} الجدال، وإن كانت الرحمة ديدنك([1]) {إنه قد جاء أمر ربك} قضاؤه وحكمه {وإنهم ءاتيهم عذاب غير مردود} لا يرد بجدال وغير ذلك، ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط، وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ.
- {ولما جاءت رسلنا لوطا} لـما أتوه ورأى هيئاتهم وجمالهم {سيء بهم} أحزن، لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم {وضاق بهم ذرعا} وضاق بمكانهم صدره {وقال هذا يوم عصيب} شديد، ودخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها.
- {وجاءه قومه يهرعون إليه} يسرعون كأنما يدفهون دفعا {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش حتى مرنوا([2]) عليها وقل عندهم استقباحها {قال يا قوم هؤلاء بناتي} فتزوجوهن، أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا في ذلك الوقت، كما جاز في الابتداء في هذه الأمة، فقد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان، فأراد لوط أن يزوجهما ابنتيه {هن أطهر لكم} أحل {فاتقوا الله} بإيثارهن عليهم {ولا تخزون} ولا تهينوني {في ضيفي} في حق ضيوفي {أليس منكم رجل رشيد} رجل يهتدي إلى طريق الحق وفعل الجميل والكف عن السوء.
- {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} حاجة، لأن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا، فمذهبنا إتيان الذكران {وإنك لتعلم ما نريد} عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.
- {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} المعنى: لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي أستند عليه وأمتنع به لفعلت بكم وصنعت.
روي أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادهم ويجادلهم فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقى لوط من الكرب.
{قالوا يا لوط} إن ركنك لشديد {إنا رسل ربك} فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم، فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم، فأعماهم كما قال الله تعالى: {فطمسنا أعينهم} [القمر: 37]، فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوما سحرة {لن يصلوا إليك} [لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا فهون عليك ودعنا وإياهم] {فأسر بأهلك} [فاذهب بهم في الليل] {بقطع من الليل} طائفة منه، أو نصفه {ولا يلتفت منكم أحد} بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما وراءه [لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم] {إلا امرأتك} مستثنى من {فأسر بأهلك}، أمر بأن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم، فلم يسر بها([3]) {إنه مصيبها ما أصابهم} روي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: {إن موعدهم الصبح} فقال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: {أليس الصبح بقريب}.
([3]) وقد ورد هنا في الأصل كلام منقول عن الزمخشري وهو قوله: «وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معه وأمر ألا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر قتلها ثم قال: واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين». وقد أنكر أبو حيان هذا الكلام وقال: وهذا وهم فاحش (أي من الزمخشري) إذ بنى القراءتين على اختلاف الروايتين من أنه سرى بها أو لم يسر بها، وهذا تكاذب في الأخبار يستحيل أن تكون القراءتان وهما من كلام الله تعالى تترتبان على التكاذب» اهـ. كلام أبي حيان. ومراده بالقراءتين قراءة: {إلا امرأتك} بفتح التاء وضمها.
