تفسير سورة هود من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة هود من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) - {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها} جعل جبريل عليه السلام جناحه في أسفلها أي أسفل قراها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم، وأتبعوا الحجارة من فوقهم، وذلك قوله: {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر حتى صار في صلابة الحجارة {منضود} متتابع.
- {مسومة} معلمة للعذاب، قيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به {عند ربك} في خزائنه، أو في حكمه {وما هي من الظالمين ببعيد} بشيء بعيد، وفيه وعيد لأهل مكة.
- {وإلى مدين أخاهم شعيبا} هو اسم مدينتهم، أي وأرسلنا شعيبا إلى ساكني مدين {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال} أي الـمكيل بالمكيال {والميزان} والموزون بالميزان {إني أراكم بخير} بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} مهلك، والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا، أو عذاب الآخرة.
- {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان} أتموها {بالقسط} بالعدل، نهو أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، ثم ورد الأمر بالإيفاء، الذي هو حسن في العقول لزيادة الترغيب فيه، وجيء به مقيدا بالقسط، أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} البخس: النقص، كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} العثي والعيث: أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل.
- {بقية الله} ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم {خير لكم إن كنتم مؤمنين} بشرط أن تؤمنوا، أو إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح به إياكم {وما أنا عليكم بحفيظ} لنعمه عليكم فاحفظوها بترك البخس.
- {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه يقولون له: ما تستفيد بهذا؟! فكان يقول: إنها تأمر بالمحاسن، وتنهى عن القبائح، فقالوا على وجه الاستهزاء: أصلواتك تأمرك أن تأمرنا بترك عبادة ما كان يعبد ءاباؤنا، أو أن نترك التبسط في أموالنا ما نشاء من إيفاء ونقص؟! {إنك لأنت الحليم الرشيد} أي السفيه الضال، وهذه تسمية على القلب استهزاء.
- {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه} من لدنه {رزقا حسنا} مالا حلالا من غير بخس وتطفيف [أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف؟!] {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم [بل لا ءامركم بشيء إلا عملت به، ولا أنهاكم عن شيء إلا انتهيت عنه] {إن أريد إلا الإصلاح} ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر {ما استطعت} ما دمت متكنا منه لا ءالو فيه جهدا {وما توفيقي إلا بالله} إلا بمعونته وتأييده {عليه توكلت} اعتمدت {وإليه أنيب} أرجع في السراء والضراء.
- {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم} لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب {مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح} وهو الغرق والريح والرجفة {وما قوم لوط منكم ببعيد} في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم، أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم.
- {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [قال الإمام أبو منصور رحمه الله: ليس يأمرهم أن يقولا: نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل المغفرة، فعلى هذا استغفار إبراهيم لأبيه، وكذلك قوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86] في سورة الشعراء أي أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد] {إن ربي رحيم} بمن استغفره وتاب إليه {ودود} يحب أهل الوفاء من الصالحين.
{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} لا نفهم صحة ما تقول {وإنا لنراك فينا ضعيفا} فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها {ولولا رهطك لرجمناك} ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة، وكان رهطه من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم {وما أنت علينا بعزيز} لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا.
