تفسير سورة البقرة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
تفسير سورة البقرة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
لـما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات فقال:
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30)
- {يا أيها الناس} وهذا خطاب لمشركي مكة، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء، وكثر النداء في القرءان على هذه الطريقة، لأن ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده أمور عظام، وخطوب([1]) جسام، يجب عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم إليها، وهم عنها غافلون، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ {اعبدوا ربكم} وحدوه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل عبادة في القرءان فهي توحيد {الذي خلقكم} صفة موضحة مميزة. والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء {والذين من قبلكم} احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مقرين بذلك، فقيل لهم: إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام {لعلكم تتقون} أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا فتنجوا بسببه من العذاب، ولعل للترجي والإطماع، ولكنه إطماع من كريم فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه.
- {الذي جعل لكم الأرض} أي صير {فراشا} بساطا تقعدون عليها وتنامون وتتقلبون {والسماء بناء} سقفا كقوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} [الأنبياء: 32] {وأنزل من السماء ماء} مطرا {فأخرج به} بالماء، نعم خروج الثمرات بقدرته ومشيئته وإيجاده، ولكن جعل الماء سببا في خروجها، كماء الفحل([2]) في خلق الولد، وهو قادر على إنشاء الكل بلا سبب، كما أنشأ نفوس الأسباب([3]) والمواد، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال، وناقلا من مرتبة إلى مرتبة، حكما وعبرا للنظار بعيون الاستبصار {من الثمرات رزقا لكم} قيل الثمرات دون الثمر والثمار وإن كان الثمر الـمخرج بماء السماء كثيرا، لأن المراد جماعة الثمرة {فلا تجعلوا لله} الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية {أندادا} أي فلا تتخذوا له شركاء. والند الـمثل {وأنتم تعلمون} أنها لا تخلق شيئا ولا ترزق، والله الخالق الرازق، وجعل الأصنام لله أندادا غاية الجهل.
ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد ﷺ وما يقرر إعجاز القرءان فقال:
- {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} محمد عليه الصلاة والسلام، وقيل {نزلنا} دون أنزلنا، لأن المراد به النزول على سبيل التدريج والتنجيم([4])، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة، وءايات غب ءايات على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا، شيئا فشيئا، لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمي الناثر بخطبه ضربة، فلو أنزله الله لأنزله جملة([5])، قال الله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32]، فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على تدريج {فأتوا بسورة} أي فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجما فردا من نجومه سورة من [أقصر] السور، والسورة الطائفة([6]) من القرءان المترجمة([7]) التي أقلها ثلاث ءايات {والسورة] هي الرتبة([8]) لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ، وهي أيضا في نفسها مرتبة([9]) طوال وأواسط وقصار، وأما الفائدة في تفصيل القرءان وتقطيعه سورا فهي كثيرة، ولذا أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السورة([10])، وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم، [ومن ذه الفوائد] أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب، ثم أخذ في ءاخر كان أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة([11]) اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة فيعظم عنده ما حفظه ويجل في نفسه [فيعمل على الاستزادة منه] {من مثله} المعنى: إن ارتبتم في أن القرءان منزل من عند الله، فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله {وادعوا شهداءكم من دون الله} أي ادعوا الذين اتخذتموهم ءالهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو من يشهد لكم بأنه مثل القرءان {إن كنتم صادقين} أن ذلك مختلق([12]) وأنه من كلام محمد عليه الصلاة والسلام.
- {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} لـما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون صدق النبي عليه الصلاة والسلام، قال لهم فإذا لم تعارضوه([13]) وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخالفوا العذاب الـمعد لمن كذب وعاند. وفيه دليلان على إثبات النبوة: صحة كون المتحدى به معجزا، والإخبار بأنهم لن يفعلوا، وهو غيب لا يعلمه إلا الله. ومعنى قوله تعالى: {وقودها الناس والحجارة} أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة، وهي حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن، أو الأصنام المعبودة، فهي أشد تحسيرا. وإنما قرن الناس بالحجارة، لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها([14]) وجعلوها لله أندادا. ونحوه قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98]، أي حطبها، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا في إيلامهم([15]) {أعدت للكافرين} هيئت لهم، وفيه دليل على أن النار مخلوقة، خلافا لما يقوله جهم([16]).
سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف، وتثبيطا([17]) عن اقتراف ما يتلف([18])، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله:
- {وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات والمأمور بقوله: {وبشر} الرسول عليه الصلاة والسلام، أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق([19]) بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل([20]) والكتاب والسنة. والآية حجة على من جعل الأعمال إيمانا، لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه([21]). ولا يقال: إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة، والله تعالى بشر بالجنة لمن ءامن وعمل صالحا، لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان، ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة {أن لهم جنات} أي بأن لهم جنات. والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان. والجنة مخلوقة لقوله تعالى: {اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 35] ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان {تجري من تحتها الأنهار} المراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية. وأنهار الجنة تجري في غير أخدود. وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظللة، والأنهار في خلالها مطردة([22]). والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية، وقدمه على سائر نعوتها {كلما رزقوا} جملة مستأنفة لأنه لما قيل: إن لهم جنات، لم يخل خلد([23]) السامع أن يقع فيه: أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله([24]) {منها من ثمرة رزقا} أي كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك {قالوا هذا الذي رزقنا} أي رزقناه {من قبل} أي من قبل هذا، والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله {وأتوا به متشابها}. وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناسا أخر، لأن الإنسان بالمألوف ءانس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسه، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة، وتفاوتا بينا كان استعجابه به أكثر، واستغرابه أوفر، وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر، وتمادي الحال في ظهور المزية([25])، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان، {ولهم فيها أزواج مطهرة} من مساوئ الأخلاق أو مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس، [أو من كل ما يشين] {وهم فيها خالدون} الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وأنى يقع التشابه في [بقاء الله تعالى جل جلاله وبقاء غيره، فالله] تعالى باق لذاته، وبقاؤه واجب الوجود، وبقاء الخلق به([26]) وهو [أي الخلق] جائز الوجود([27]).
لـما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلا ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فنزل:
- {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} أي لا يترك ضرب الـمثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها([28])، وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم {فما فوقها} فما تجاوزها، وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة، أو فما زاد عليها في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب الـمثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة، ولا يقال: «كيف يضرب الـمثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر» لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله ﷺ مثلا للدنيا([29]) {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} الضمير للمثل، أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} وفي قولهم: {ماذا أراد الله بهذا مثلا} استحقار، والتقدير أي شيء أراد الله، والإرادة عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه([30])، والله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [معناه] أن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وان العلم بكونه حقا من باب الهدى، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة. وأهل الهدى كثير في أنفسهم، وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال([31])، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة. والإضلال خلق فعل الضلال في العبد([32])، والهداية خلق فعل الاهتداء([33]).
وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون الـمحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب، لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء الـمتوهم من الـمشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به كذلك، وإن كان حقيرا كان الـمتمثل به كذلك؛ ألا ترى أن الحق لـما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور، وأن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة، ولما كان حال [المعبودات بغير حق] التي جعلها الكفار أندادا لله لا حال أحقر منها وأقل – ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا – لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل: استحي من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحق، وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقلهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين([34]) والعجب منهم كيف أنكروا ذلك([35])، وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض([36]) فقالوا: أجرأ من الذباب وأضعف من فراشة وآكل من السوس وأضعف من البعوضة وأعز من مخ البعوض، ولكن ديدن المحجوج([37]) والمبهوت([38]) أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح {وما يضل به إلا الفاسقين} الفسق الخروج عن القصد. والفاسق في الشريعة الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة.
- {الذين ينقضون عهد الله} النقض: الفسخ وفك التركيب. والعهد: الـموثق. والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون، أو مناققوهم، أو الكفار جميعا، وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره، أو أخذ الله العهد عليهم ألا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم، وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية ءادم عليه السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني ءادم} الآية [الأعراف: 172]، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} [الأحزاب: 7]، وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [ءال عمران: 187] {من بعد ميثاقه} أصله من الوثاقة وهي إحكام الشيء، وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض([39]) {ويفسدون في الأرض} بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان {أولئك هم الخاسرون} المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.
- {كيف تكفرون بالله} أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان {وكنتم أمواتا} نطفا في أصلاب ءابائكم، {فأحياكم} في الأرحام {ثم يميتكم} عند انقضاء ءاجالكم {ثم يحييكم} للبعث {ثم إليه ترجعون} تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم، ثم إليه ترجعون للنشور.
- {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليهم، وما فيه من التذكير بالآخرة، لأن ملاذها تذكر ثوابها، ومكارهها تذكر عقابها([40]). {ثم استوى إلى السماء} الاستواء [لغة]: الاعتدال والاستقامة [والقهر والحفظ والاستيلاء وغير ذلك من معان كثيرة، وقد ورد في القرءان الكريم بعدة معان: لبلوغ الإنسان غايته {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص: 14]، وللتساوي: {لا يستوي الخبيث والطيب} [المائدة: 100]، وللجلوس: {{فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} [المؤمنون: 28]، وللركوب: {{لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13]، وللقيام: {فاستوى على سوقه} [الفتح: 29]، وللاستقرار: {واستوت على الجودي} [هود: 44]، وله معان أخرى في لغة العرب]، يقال: استوى العود أي قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم الـمرسل أي قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء([41])، وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء} أي: أقبل وعمد إلى خلق السماوات بعدما خلق ما في الأرض([42])، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء ءاخر، والمراد بالسماء جهات العلو، {فسواهن سبع سماوات} ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور([43])، ولا يناقض هذا قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر {وهو بكل شيء عليم} فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم.
ولما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن، وأسكن في السماء الملائكة، فأفسدت الجن في الأرض، فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورءوس الجبال، وأقاموا مكانهم([44])، فأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يذكر قصتهم فقال:
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل} مصير {في الأرض خليفة} وهو من يخلف غيره، والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها ءادم وذريته، ولم يقل خلائف أو خلفاء، لأنه أريد بالخليفة ءادم، واستغني بذكره عن ذكر بنيه، أو خليفة مني لأن ءادم([45]) كان خليفة الله في أرضه([46])، وكذلك كل نبي، قال الله تعالى: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض} [ص: 26]، وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم([47]) {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وهو الحكيم الذي لا يجهل، وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو من جهة اللوح، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر([48]) {ويسفك الدماء} أي [يريقها بالقتل أي كما كان يفعل الجن] {ونحن نسبح بحمدك} أي: نسبح حامدين لك {ونقدس لك} ونطهر أنفسنا لك، {قال إني أعلم ما لا تعلمون} أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبياء والأولياء العلماء [العاملون].
([1]) الخطب: الأمر الشديد ينزل.
([2]) مني الرجل سبب لخلق الله الولد، ليس الـمني يخلق الولد، ولو شاء الله لخلق الولد بلا مني كما خلق عيسى من دون مني، وخلق ءادم من دون مني، ءادم لا يقال له ولد لأنه لم يولد، إنما خلق من غير أب وأم، أما عيسى فيقال له ولد لأنه ولد من أم ولو لم يكن له أب.
([3]) الله تعالى هو خلق الأسباب، المني وغيره.
([7]) أي: الـملقبة والـمسماة باسم مخصوص.
([10]) الكتب السماوية لكها هكذا، في خلالها تراجم، كما أن في القرءان سورا.
([13]) أي: بالمثل وإلا فهم عارضوا.
([14]) في الجاهلية العرب كان عبادة الحجارة كثيرا فيهم، حتى إن الرجل إذا كان يعبد حجرا ثم لقي أحسن منه منظرا يترك الذي كان معه ويأخذ هذا الذي استحلاه فيعبده ولذلك أنزل الله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23].
([16]) جهم بن صفوان رئيس الجهمية، قتل في أيام الأمويين لكفره، سئل مرة: ما تعبد أو ما معبودك أو صف لنا معبودك؟ فاختلى أياما ثم خرج إلى الناس فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء وعلى كل شيء. وله مقالات أخرى في الضلال.
([20]) عندما يذكر العلماء العقل في موضع الاحتجاج لا يريدون به الرأي إنما قصدهم النظر الصحيح.
([21]) يرد أن تكون الأعمال إيمانا، أي أصل الإيمان، أما أن يطلق الإيمان على الأعمال فهو شيء ثابت، ليس محلا للتردد، ومن هنا قول العلماء الإيمان يزيد وينقص، أي بالنسبة للوصف، أما بالنسبة للأصل فالإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه إن نقص عن حقيقة مسمى الإيمان فهو شك وارتياب، وإن زاد فإنما زاد في الوصف.
([23]) الخلد: البال والقلب والنفس.
([24]) أي: من حيث حسن المنظر وحلاوة الطعم وطيب الرائحة في ذلك لا مناسبة بين هذه هذه، فرق بعيد، لكن الأجناس متحدة.
([25]) من شدة ما يرون من الفرق العظيم بين ثمار الدنيا وثمار تلك الدار، كلما رأوها يقولون هذا الكلام.
([26]) أي: بالله، أي بمشيئته لهم البقاء.
([27]) بقاء الجنة والنار من حيث ذاتهما جائز الوجود ليس واجب الوجود، أما بقاء الله فواجب الوجود فليس هناك تشابه، بعض الذين كانوا ينتسبون إلى الشيخ أحمد الحارون رحمه الله كانوا يطالعون في «الفتوحات المكية» الذي دس فيه على الشيخ محيي الدين ابن عربي رحمه الله فعلق بأذهانهم شيء ينافي الشرع في أمر الجنة والنار، فيه أن الكفار ينقطع عنهم الألم في النار وتعود لذة عليهم، وهذا ليس من كلام الشيخ محيي الدين، بل هو مدسوس عليه.
([28]) العباد تركوا ضرب المثل بها نظرا لحقارتها، الله لا يستحي كاستحياء هؤلاء.
([29]) كأنه يشير إلى حديث سهل بن سعد، مرفوعا: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» أخرجه الترمذي في سننه.
([30]) هذا العالم وجد بعد أن كان معدوما وكان يجوز في العقل أن لا يوجد، فلما وجد وجب إضافة وجوده إلى تخصيص الله تعالى له بالوجود، فلولا ذلك التخصيص لما وجد، هذا معنى الإرادة والمشيئة، لكن أراد تأتي أحيانا بمعنى أحب. وهذا يقع كثيرا في كلام العامة، يقولون: الله لا يريد هذا، بمعنى لا يحبه.
([31]) أي: من البشر، البشر والجن أغلبهم كفار، الله تعالى ما شاء لهم أن يهتدوا بخلاف الملائكة وهم أكثر من البشر والجن، فإن الله شاء أن يكون كل فرد منهم مؤمنا تقيا طائعا.
([32]) معنى أضل الله من شاء من عباده: خلق الضلالة في أنفسهم، خلق فيهم عمل الضلال.
([33]) معنى هدى الله عبده: خلق فيه العمل الذي هو هدى، الإيمان والطاعة.
([34]) يؤخذ من هذه الآيات أن الآيات البينات لا يهتدي بها إلا من شاء الله أن يهتدي بها، المعجزات التي أظهرها الأنبياء اهتدى بها أناس من الكفار فانتقلوا من كفرهم إلى الإيمان وصاروا سعداء، وقسم لم يهتدوا بها بل بقوا على ضلالهم فشقوا وهلكوا، وذلك يرجع إلى المشيئة، فمن شاء الله له أن يهتدي بالآيات اهتدى، ومن لم يشأ له أن يهتدي بمعجزات الأنبياء لا يهتدي. مشركو مكة رأوا للرسول معجزات، فمنهم من ءامن ومنهم من لم يؤمن، والمرجع في ذلك إلى مشيئة الله، الله تعالى هو الذي يخلق الاهتداء في قلوب من شاء لهم الاهتداء، وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56]. ومعنى {من أحببت} أحببت له أن يهتدي.
([35]) أي: إنكارهم أن يضرب الله المثل بالبعوضة فما فوقها.
([39]) كما فعلت اليهود، تعترف بموسى أنه نبي وتكذب عيسى ومحمدا صلى الله وسلم عليهم جميعا.
([40]) هذه الدنيا دلائل على وجود خالقها وعلى وجود الآخرة، لأننا نرى الدنيا تتبدل أحوالها، النبات بعدما كان غضا طريا خضرا يعود يابسا فيتكسر، هذا فيه دلالة على الآخرة. يعني في الجملة الأخيرة أن الدنيا فيها ملاذ خلقها الله فيها، وخلق فيها مكاره، ليكون ذلك دلالة على أن بعد هذه الدنيا أشياء ملاذ وأشياء مكاره، الجنة فيها ملاذ، وجهنم فيها مكاره.
([42]) معناه: ثم أتبع ذلك بخلق السماء.
([43]) الفطور معناه التشقق، السماء ليست متشققة لكن لها أبواب، والله تعالى أحكم صنعها.
([44]) يعني أن الملائكة أقاموا مكان أولئك الجن الذين طردوا إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال، الملائكة حلوا محلهم.
([45]) في لفظ اسم ءادم وجهان ذكرهما العلماء قال بعض: عربي مشتق من الأدمة أو من أديم الأرض، وقال بعض: ليس مشتقا، هو لفظ غير عربي.
([46]) الخليفة هنا ليس معناه الوكيل، إنما معناه من يقيم أوامره في الأرض.
([47]) أي: قبل وجود البشر، حتى يعرفوا قبل وجود البشر أنهم يستخلفون في الأرض، أراد الله تعالى أن يعلمهم الحكمة في ذلك، أراد أن يسألوا ليعرفوا الحكمة فيجابوا، ليس للاعتراض على الله، لأن الاعتراض على الله كفر، والملائكة منزهون عن ذلك.
([48]) أو أعلمهم بواسطة جبريل أو غيره أو قاسموا الإنس على الجن لأنهم جربوا الجن وشاهدوا ما فعلوا في الأرض من الفساد فيها وظلم بعضهم بعضا، هذا لم يرد في حديث ثابت وإنما هو حكاية، أي أنه كان على الأرض جن أفسدوا فيها، ثم قيل أحرقتهم الملائكة، وهو غير ثابت من حيث الدليل.
