تفسير سورة البقرة من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) - {وعلم آدم الأسماء كلها} أي أسماء الـمسميات، ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا {ثم عرضهم على الملائكة} أي عرض المسميات، وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم، وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت([1]) {فقال أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء، وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا.
- {قالوا سبحانك} تنزيها لك أن يخفى عليك شيء، أو عن الاعتراض عليك في تدبيرك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} وليس فيه علم الأسماء {إنك أنت العليم} غير الـمعلم([2]) {الحكيم} فيما قضيت وقدرت.
- {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم} سمى كل شيء باسمه {قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} أعلم ما غاب فيهما عنكم مما كان ومما يكون {وأعلم ما تبدون} تظهرون {وما كنتم تكتمون} تسرون.
- {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} أي اخضعوا له وأقروا بالفضل له، والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض([3])، وكان السجود تحية لآدم عليه السلام في الصحيح، إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس. وكان سجود التحية جائزا فيما مضى ثم نسخ {فسجدوا إلا إبليس} الاستثناء منقطع، لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص، وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من النور، ولأنه أبى وعصى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} [الكهف: 50] ولا نسل للملائكة([4])، {أبى} امتنع مما أمر به {واستكبر} تكبر عنه {وكان من الكافرين} وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر، لا بترك العمل بالأمر، لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان، ولا يكون كفرا عند أهل السنة.
- {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} هي جنة الخلد التي وعدت للمتقين للنقل المشهور([5])، {وكلا منها} من ثمارها {رغدا} أكلا رغدا واسعا {حيث شئتما} أي مكان من الجنة شئتما {ولا تقربا هذه الشجرة} أي الحنطة أو الكرمة أو التينة([6]) {فتكونا من الظالمين} من الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين أنفسهم.
- {فأزلهما الشيطان عنها} أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها، أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما {فأخرجهما مما كانا فيه} من النعيم والكرامة، وقد توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له: اخرج منها فإنك رجيم، روي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة [فقام] عند الباب فنادى([7]) {وقلنا اهبطوا} الهبوط النزول إلى الأرض. والخطاب لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم، ويدل عليه قوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا} [طه: 123]، {بعضكم لبعض عدو} المراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض {ولكم في الأرض مستقر} موضع استقرار، أو استقرار {ومتاع} وتمتع بالعيش {إلى حين} إلى يوم القيامة، أو إلى الموت.
- {فتلقى آدم من ربه كلمات} استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها، وهن قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23]. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب([8]). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أحب الكلام([9]) إلى الله تعالى ما قاله أبونا ءادم حين اقترف الخطيئة: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك([10]) ولا إلٰه إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» {فتاب عليه} فرجع عليه بالرحمة والقبول، واكتفى بذكر توبة ءادم لأن حواء كانت تبعا له، وقد طوي([11]) ذكر النساء في أكثر القرءان والسنة لذلك([12]) {إنه هو التواب} الكثير القبول للتوبة {الرحيم} على عباده.
- {قلنا اهبطوا منها جميعا} مجتمعين، وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد، أو لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض {فإما يأتينكم مني هدى} رسول أبعثه إليكم، أو كتاب أنزله عليكم، {فمن تبع هداي} بالقبول والإيمان به {فلا خوف عليهم} في المستقبل {ولا هم يحزنون} على ما خلفوا([13]).
- {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار} أهلها ومستحقوها الذين {هم فيها خالدون}.
{يا بني إسرائيل} هو يعقوب عليه السلام، وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة الله أو عبد الله. فإسرا هو العبد أو الصفوة، وإبل هو الله بالعبرية {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} ذكرهم النعمة ألا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها. وأراد بها ما أنعم به على ءابائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم([14])، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ الـمبشر به في التوراة والإنجيل([15]) {وأوفوا} أدوا وافيا تاما {بعهدي} بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب الـمعجز {أوف بعهدكم} بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم {وإياي فارهبون} فلا تنقضوا عهدي.
([1]) أي: ليظهر عجزهم عما علمه ءادم.
([2]) أي: لم يتلق العلم عن غيره، بل علمه تعالى ذاتي أزلي أبدي أحاط به كل شيء.
([3]) أي: السجود الحقيقي، على هذا أكثر المفسرين.
([4]) الملائكة لا يتوالدون، الله أخبر عن إبليس بأن له ذرية، فالقول بأن إبليس من الملائكة حقيقة بعيد من الصواب.
([5]) أي: للدليل السمعي المشهور.
([6]) الله أعلم بحقيقة الشجرة، لم يرد شيء ثابت بحقيقتها.
([7]) أي: وهو على الباب وسوس، أو يقال: إنه لما قيل له: اخرج منها فإنك رجيم لم يخرج فورا، بل وسوس لهما بذلك ثم أخرج منها ولم يعد إليها.
([8]) أي: التبرؤ منها والخروج عنها.
([10]) وتعالى جدك أي عظمتك، معناه أن عظمتك ما فيها نقص.
([13]) معناه: الله تعالى يذهب عنهم الحزن على ما تركوا من الأهل وغيرهم.
([14]) عندما عبد العجل قسم ثم عفا الله عنهم برجوعهم عن عبادة العجل وتوبتهم بالدخول في دين الإسلام من جديد.
([15]) معناه أن اليهود الذين كانوا في زمن نزول القرءان، أمرهم الله تعالى بأن يذكروا نعمته التي أنعمها عليهم، وهي أن أجدادهم الذين كانوا مع موسى أنجاهم الله تعالى من عذاب فرعون ومن الغرق وعفا عمن عبد العجل منهم فتاب عليه بعد رجوعه للإسلام بالشهادتين، ثم هؤلاء موجودون في زمن النبي محمد عليه الصلاة والسلام أدركوا بعثة محمد ﷺ، معناه اشكروا أنتم ربكم بالإيمان بمحمد ﷺ، اشكروا نعمة الله بالإيمان بمحمد ﷺ.
