تفسير سورة البقرة من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) - {وءامنوا بما أنزلت} يعني القرءان {مصدقا} كأنه قيل: أنزلته مصدقا {لما معكم} من التوراة، يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد عليه الصلاة والسلام {ولا تكونوا أول كافر به} أي أول من كفر به، أو أول حزب أو فوج كافر به. وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. والضمير في {به} يعود إلى القرءان {ولا تشتروا} ولا تستبدلوا {بآياتي} بتغييرها وتحريفها {ثمنا قليلا} قال الحسن: هو الدنيا بحذافيرها([1]). وقيل: هو الرئاسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول الله([2])، {وإياي فاتقون}([3]) [فخافوني في ذلك دون غيري].
- {ولا تلبسوا الحق بالباطل} لبس الحق بالباطل خلطه. والمعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم. {وتكتموا الحق} هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا، أو منصوب بإضمار أن، أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق. وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد، أو حكم كذا {وأنتم تعلمون} في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم.
- {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة} أي صلاة المسلمين وزكاتهم {واركعوا مع الراكعين} أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام. وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة، أي صلوها مع المصلين لا منفردين. والهمزة في:
- {أتأمرون الناس} للتقرير مع التوبيخ {بالبر} أي سعة الخير والمعروف، وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد عليه السلام ولا يتبعونه([4]). وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون، وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها {وتنسون أنفسكم} وتتركونها من البر كالـمنسيات([5]) {وأنتم تتلون الكتاب} تبكيت أي تتلون التوراة وفيها نعت محمد عليه الصلاة والسلام، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل {أفلا تعقلون} أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وهو توبيخ عظيم.
- {واستعينوا} على حوائجكم إلى الله {بالصبر والصلاة} أي بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها، وما يجب فيها من إخلاص القلب، ودفع الوساوس الشيطانية، والهواجس النفسانية، ومراعاة الآداب والخشوع، أو استعينوا على البلايا والنوائب([6]) بالصبر عليها، والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه([7]) أمر فزع إلى الصلاة([8]) {وإنها} الضمير للصلاة أو للاستعانة {لكبيرة} لشاقة ثقيلة {إلا على الخاشعين} لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم.
- {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه، وفسر {يظنون} بيتيقنون([9])، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة([10])، وفسر اللقاء بالرؤية، و{ملاقوا ربهم} بمعاينوه بلا كيف([11]) {وأنهم إليه راجعون} لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه.
- {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} التكرير للتأكيد {وأني فضلتكم} أي اذكروا نعمتي وتفضيلي {على العالمين} على الجم الغفير من الناس([12])، يقال: رأيت عالما من الناس والمراد الكثرة.
- {واتقوا يوما} أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف {لا تجزي نفس} مؤمنة {عن نفس} كافرة {شيئا} أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق التي لزمتها {ولا يقبل منها شفاعة} أي لا [يقبل من النفس المؤمنة] شفاعة للكافرة [بمعنى أن الكفار لا يشفع لهم أصلا، لا أن بعض الشفعاء يشفع لهم لكن لا يقبل منهم، لأن الله تعالى لم يأذن بالشفاعة للكفار لقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]] {ولا يؤخذ منها عدل} أي فدية {ولا هم ينصرون} يعاونون.
- {وإذ نجيناكم من ءال فرعون} وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس {يسومونكم} يولونكم [ويذيقونكم] {سوء العذاب} ومعنى سوء العذاب أشده وأفظعه {يذبحون أبناءكم} بيان لقوله يسومونكم {ويستحيون نساءكم} يتركون بناتكم أحياء للخدمة، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود، فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء الله {وفي ذلكم بلاء} محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون، ونعمة([13]) إن أشير به إلى الإنجاء {من ربكم عظيم} صفة لبلاء.
{وإذ فرقنا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم، لأن الـمسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط {بكم البحر} كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم، أو فرقناه بسببكم {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه.
([2]) بعض الرؤساء من هذه الأمة أيضا يعاندون الحق لئلا تفوتهم وتذهب عنهم الرئاسة، البخاري رحمه الله عكر عليه شيخ مشهور في بلدة جاء البخاري إليها فاستقبله الناس قبل وصول المدينة بمسافة بعيدة، فغار من البخاري وعمل عليه تشويشا فنفي من تلك البلدة، الحاكم صدق ما يقوله هذا الشيخ لأنه كان عالـما مشهورا من المحدثين، فنفى البخاري رحمه الله.
([3]) هذه الكسرة تدل على أن الياء مقدرة.
([4]) الأحبار لا يتبعون محمدا ﷺ حتى لا تذهب عليهم الرئاسة، لكن أحيانا يقولون لأتباعهم: هذا محمد صادق اتبعوه.
([5]) النسيان هنا معناه الترك، كالشيء الذي نسي.
([9]) هنا {يظنون} معناه يتيقنون، الظن يستعمل في الغالب لغير المتيقن وقد يستعمل للمتيقن كهذا الموضع.
([10]) أكثر الناس عندما يصلون لا يكونون فرحين بصلاتهم، إنما يكونون كأنهم يضعون عن رقابهم ما يثقلهم، أما الأتقياء يرتاحون في الصلاة.
([11]) بعض المفسرين فسر قوله تعالى: {ملاقوا ربهم} أي يرونه بلا كيف، أي من غير أن يرى كما يرى المخلوق من الجهة والحيز والمسافة، إنما يرونه من غير أن يكون في جهة ومن غير أن يكون في مسافة بينه وبينهم، لا مسافة قريبة ولا مسافة بعيدة، لأن ذلك لا يجوز على الله، لأن الذي يكون على مسافة منك فهو محدود، والمحدود يحتاج إلى من يحده، والإلٰه لا يحتاج إلى غيره.
([12]) معناه فضلناكم على خلق كثير، أي أجدادكم الذين كانوا مسلمين، اذكروا ذلك وكونوا مثلهم بالإيمان بمحمد ﷺ، إن ءامنتم بمحمد ﷺ صرتم مثل أجدادكم المؤمنين، أما هؤلاء الموجودون اليوم والذين كانوا في زمن النبي ﷺ ثم عاندوا فكذبوا، أولئك ليس لهم فضل بالمرة، إنما الفضل لأجدادهم الذين كانوا على اتباع الأنبياء، أيام موسى عليه السلام الذين كانوا متبعين شريعة موسى ومن بعده، الذين كانوا متبعين للأنبياء الذين جاءوا بعد موسى، أولئك لهم فضل لإيمانهم بالله وأنبيائه، ما كانوا يكذبون، أولئك كانوا مثلنا يؤمنون بأن كل نبي من الأنبياء صادق جاء بالحق، بعض الناس يتوهمون من هذه الآية أن اليهود الذين هم كفار، الذين هم على وجه الأرض اليوم هم خير الناس والعياذ بالله؛ القرءان ذو وجوه، الله ابتلى عباده بأن يكون بعض عباده يعرفون مواقع الحق في الآيات على مواضعها، ومن لم يوفقهم يحملون القرءان على غير مواضعه فيهلكون ويخسرون.
([13]) بلاء تأتي بمعنى النعمة، بلاء عظيم أي نعمة عظيمة، وتأتي بمعنى المصيبة.
