تفسير سورة البقرة من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وخمسين إلى ستين
وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (59) وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60) - {وإذ واعدنا موسى} لأن الله تعالى وعده الوحي، ووعده هو الـمجيء للميقات إلى الطور، لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له([1]) ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وقال: {أربعين ليلة} لأن الشهور غررها([2]) بالليالي {ثم اتخذتم العجل} إلٰها {من بعده} من بعد ذهابه إلى الطور {وأنتم ظالمون} بوضعكم العبادة غير موضعها.
- {ثم عفونا عنكم} محونا ذنوبكم عنكم([3]) {من بعد ذلك} من بعد اتخاذكم العجل {لعلكم تشكرون} لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم.
- {وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان} يعني: الجامع بين كونه كتابا منزلا، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة {لعلكم تهتدون} لكي تهتدوا.
- {وإذ قال موسى لقومه} للذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} معبودا {فتوبوا إلى بارئكم} هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت([4])، وفيه تقريع لهم لما كان منهم نم ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم أبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة {فاقتلوا أنفسكم} قيل: هو على الظاهر، وهو البخع([5])، وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة، فقتل سبعون ألفا {ذلكم} التوبة والقتل {خير لكم عند بارئكم} من الإصرار على المعصية {فتاب عليكم إنه هو التواب} الـمفضال بقبول التوبة وإن كثرت {الرحيم} يعفو الحـوبة([6]) وإن كبرت.
- {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} عيانا {فأخذتكم الصاعقة} أي الموت. روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له: نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء بأرنا الله جهرة. فقال موسى: سألته ذلك فأباه علي، فقالوا: إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم. وإنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم: إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم. ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم([7]). ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد {وأنتم تنظرون} إليها حين نزلت.
- {ثم بعثناكم} أحييانكم {من بعد موتكم لعلكم تشكرون} نعمة البعث بعد الموت.
- {وظللنا عليكم الغمام} جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه، سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس، وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى {وأنزلنا عليكم المن} الترنجبين([8])، [وقيل فيه عدة أقوال أخرى] وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع([9]) {والسلوى} وهي السمانى([10]) فيذبح الرجل منها ما يكفيه. وقلنا لهم {كلوا من طيبات} لذيذات أو حلالات {ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يعني فظلموا [أنفسهم، أي ضروها] بأن كفروا هذه النعم [لأن وبال فعلهم عائد عليهم].
- {وإذ قلنا} لهم بعدما خرجوا من التيه {ادخلوا هذه القرية} أي بيت المقدس أو أريحاء، {فكلوا منها} من طعام القرية وثمارها {حيث شئتم رغدا} واسعا {وادخلوا الباب} باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام، وإنما دخلوا الباب في حياته، ودخلوا بيت المقدس بعده {سجدا} أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله تعالى وتواضعا له {وقولوا حطة} بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة {نغفر لكم خطاياكم} جمع خطيئة وهي الذنب {وسنزيد المحسنين} من كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة.
- {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} تقديره: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم، يعني وضعوا مكان حطة قولا غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وقيل: قالوا مكان حطة حنطة، [وقيل غير ذلك من الأقوال] {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا} عذابا. وفي تكرير {الذين ظلموا} زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم {من السماء} [إشارة إلى الجهة التي نزل منها العذاب] {بما كانوا يفسقون} بسبب فسقهم.
{وإذ استسقى موسى لقومه} أي استدعى([11]) أن يسقى قومه {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} عطشوا في التيه، فدعا لهم موسى بالسقيا، فقيل له. اضرب بعصاك الحجر. واللام للعهد، والإشارة إلى حجر معلوم، روي أنه حجر طوري حمله معه، وكان مربعا له أربعة أوجه، كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين، وكانوا ستمائة ألف، وسعة الـمعسكر اثنا عشر ميلا، أو للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة {فانفجرت} أي فضرب فانفجرت، أي سالت بكثرة {منه اثنتا عشرة عينا} على عدد الأسباط {قد علم كل أناس} كل سبط {مشربهم} عينهم التي يشربون منها. وقلنا لهم: {كلوا} من الـمن والسلوى {واشربوا} من ماء العيون {من رزق الله} أي الكل مما رزقكم الله {ولا تعثوا في الأرض} لا تفسدوا فيها. والعيث أشد الفساد {مفسدين} لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه.
([4]) التفاوت عدم التناسب والملاءمة أي بريئا من الخلو عن الحكمة.
([6]) الحـوبة: بفتح الحاء وضمها المعصية والإثم.
([7]) أي: بعد ثبوت المعجزة، معناه المعجزة الأولى تكفي، أما لزيادة اليقين فيجوز، كما طلب أصحاب سيدنا عيسى منه نزول المائدة، ليس على وجه عدم الاكتفاء بالأولى، بعد أن يثبت النبي للناس معجزة ليس لهم أن يطلبوا منه غيرها لإثبات صدقه.
([8]) الترنجبين بفتح الجيم وضمها: شيء كالصمغ شبيه بالعسل.
([9]) وهو ما من الله تعالى به على عباده من غير تعب ولا زرع، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» أي هو ما من الله تعالى به على خلقه من غير حرق ولا سقي.
