تفسير سورة البقرة من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة البقرة من الآية واحد وستين إلى سبعين
وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) - {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} هو رزقوا في التيه من الـمن والسلوى. وإنما قالوا: {على طعام واحد}، وهما طعامان، لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل. ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، يقال: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا، ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، وكانوا من أهل الزراعات، فأرادوا ما ألفوه من البقول والحبوب وغير ذلك {فادع لنا ربك} سله وقل له: أخرج لنا، {يخرج لنا} يظهر لنا ويوجد {مما تنبت الأرض من بقلها} هو ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول كالنعناع والكرفس والكراث ونحوها مما يأكل الناس {وقثائها} يعني الخيار {وفومها} هو الحنطة أو الثوم {وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى} أقرب منزلة وأدون مقدارا {بالذي هو خير} أرفع وأجل {اهبطوا مصرا} من الأمصار، أي انحدروا إليه من التيه. وبلاد التيه ما بين بيت الـمقدس إلى قنسرين وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ {فإن لكم} فيها {ما سألتم} فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} أي الهوان والفقر، يعني جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم {وباؤوا بغضب من الله} صاروا أحقاء بغضبه {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين} أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء. وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ويحيى صلوات الله عليهم، {بغير الحق} عندهم أيضا فإنهم لو أنصفوا لم يذكروا شيئا يستحقون به القتل عندهم في التوراة {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء.
- {إن الذين ءامنوا} بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون [ولذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين] {والذين هادوا} تهودوا، [أي صاروا يهودا، وهم اليهود] {والنصارى والصابئين} الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة. وقيل هم يقرأون الزبور {من ءامن بالله واليوم الآخر} من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا {وعمل صالحا فلهم أجرهم} ثوابهم {عند ربهم} في الآخرة {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [ولا خوف عليهم عند مقدمهم على الله([1]) وفراقهم الدنيا ولا في أهوال القيامة أن ينالهم من مكارهها، أو يصيبهم فيها من عقاب الله، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا].
- {وإذ أخذنا ميثاقكم} بقبول ما في التوراة {ورفعنا فوقكم الطور} أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الـميثاق. وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار([2]) والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها. فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا، وقلنا لكم {خذوا ما ءاتيناكم} من الكتاب أي التوراة {بقوة} بجد وعزيمة {واذكروا ما فيه} واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه {لعلكم تتقون} [لكي تصيروا متقين]([3]).
- {ثم توليتم} ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به {من بعد ذلك} من بعد القبول {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} بتأخير العذاب عنكم أو بتوفيقكم للتوبة {لكنتم من الخاسرين} الهالكين في العذاب.
- {ولقد علمتم} عرفتم {الذين اعتدوا منكم في السبت} جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد؛ وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت([4]) في البحر إلا أخرج خرطومه([5]) يوم السبت فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد، فكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم {فقلنا لهم كونوا}([6]) بتكويننا إياكم {قردة خاسئين} كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد.
- {فجعلناها} يعني المسخة {نكالا} عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه، {لما بين يديها} لما قبلها {وما خلفها} وما بعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين، فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين {وموعظة للمتقين} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متق سمعها.
- {وإذ قال موسى لقومه} أي واذكروا إذ قال موسى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} قال المفسرون: أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} [البقرة: 72]. وذلك أن رجلا موسرا اسمه عاميل قتله بنو عمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة، ثم جاؤوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله {قالوا} [مخاطبين لموسى] {أتتخذنا هزوا} أتجعلنا أهل هزء {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه، وفيه تعريض بهم، أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء.
- {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عالمين بماهيتها، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن {قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض} مسنة {ولا بكر} فتية {عوان} نصف {بين ذلك} بين الفارض والبكر {فافعلوا ما تؤمرون} به.
- {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء لونها {قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها} الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه فكأنه قيل شديدة الصفرة {تسر الناظرين} لحسنها.
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} تكرير للسؤال عن حاله وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها، وعن النبي عليه السلام: «لو اعترضوا([7]) أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم»، والاستقصاء شؤم([8]) {إن البقر تشابه علينا} إن البقر الموصوف بالتعوين([9]) والصفرة كثير فاشتبه علينا {وإنا إن شاء الله لمهتدون} إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل.
([2]) الآصار: جمع إصر وهو العهد الثقيل.
([3]) في الأصل قال «رجاء منكم أن تكونوا متقين» وهو خلاف الصواب، بل لو قال لكي أو لأجل أو لتصيروا كان صوابا.
([4]) الحوت: السمك، وهو يطلق على السمك الصغير وعلى الكبير، وعلى الحوت المعروف.
([6]) على مذهب المشبهة قال الله تعالى هذا الحرف كونوا بالكاف والنون. وليس المعنى ذلك، إنما المعنى أنه كونهم قردة بسرعة، وبعدما صاروا قردة كانوا يعرفون أهليهم، والأهل عرفوا أن هؤلاء أقرباؤهم، لكن ليس كل واحد يعرف قريبه بالتعيين، ذاك الذي مسخ يعرف قريبه، هذا يقبل إلى قريبه، وهذا يقبل إلى قريبه، ولا ينطقون كما كانوا ينطقون، بل كانوا يخرجون أصواتا كالقردة العاديين، وبعد ثلاثة أيام فنوا ما توالدوا.
([8]) هذا إذا كان لغير حاجة، أما إذا كان لحاجة فليس شؤما، هؤلاء لغير حاجة تشددوا.
