تفسير سورة البقرة من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة البقرة من الآية أحد عشر إلى عشرين
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) - {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} الفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، وضده الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة، وكان فساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم([1]) على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم {قالوا إنما نحن مصلحون} بين المؤمنين والكافرين بالمداراة.
- {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} أنهم مفسدون، وقد رد الله تعالى ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم.
- {وإذا قيل لهم ءامنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء} نصحهم من وجهين، أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد، وثانيهما تبصيرهم الطريق الأسد من اتباع ذوي الأحلام([2])، فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي جهلهم، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة([3])، واللام في الناس للعهد أي كما ءامن الرسول ومن معه، وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما ءامن أصحابكم وإخوانكم([4])، والاستفهام في {أنؤمن} للإنكار، واللام في {السفهاء} مشار بها إلى الناس، وإنما سفهوهم – وهم العقلاء المراجيح – لأنهم لجهلهم([5]) اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} أنهم هم السفهاء.
- {وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا} الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم {وإذا خلوا إلى شياطينهم} الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم اليهود {قالوا إنا معكم} مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم {إنما نحن مستهزؤون} تأكيد لقوله: {إنا معكم}، لأن معناه الثبات على اليهودية، وقوله: {إنما نحن مستهزءون} رد للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به.
- {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم على استهزائهم، فسمى جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله تعالى: {{وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] فسمى جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الجزاء سيئة واعتداء([6])، وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة، لأنه من باب العبث، وتعالى عنه، واستئناف قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} بغير عطف في غاية الجزالة([7]) والفخامة، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ([8]) الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال([9]) والذل والهوان. {ويمدهم} يمهلهم {في طغيانهم} في غلوهم في كفرهم {يعمهون} يتحيرون ويترددون، وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسئلة الأصلح.
- {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} استبدلوها به واختاروها عليه، وإنما قال: {اشتروا الضلالة بالهدى} ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم ءامنوا ثم كفروا، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد([10]) ﷺ فلما جاءهم كفروا به، والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء {فما ربحت تجارتهم} الربح الفضل على رأس المال، والتجارة صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجازي، ومعناه فما ربحوا في تجارتهم؛ إذ التجارة لا تربح {وما كانوا مهتدين} لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر. والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوهما، فرأس مالهم الهدى، ولم يبق لهم مع الضلالة، وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية، لأن الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح.
- {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب الـمثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان؛ ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر، ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية، ومن سور الإنجيل([11]) سورة الأمثال. والـمثل في أصل كلامهم هو الـمثل والنظير، ثم قيل للقول السائر الـممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلا إلا قولا فيه غرابة، ولذا حوفظ عليه فلا يغير، وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا، ومعنى استوقد أوقد. ووقود النار سطوعها. والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق {فلما أضاءت ما حوله} الإضاءة فرط الإنارة، ومصداقه قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] {ذهب الله بنورهم} أذهبه وأزاله وجعله ذاهبا، ولم يقل ذهب الله بضوئهم لقوله: {فلما أضاءت} لأن ذكر النور أبلغ، لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، والمراد إزالة النور عنهم رأسا، ولو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا، ألا ترى كيف ذكر عقيبه {وتركهم في ظلمات} والظلمة عرض([12]) ينافي النور، وكيف جمعها وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان([13]) وهو قوله: {لا يبصرون} وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب([14]) الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة، نعم المنافق خابط في ظلمات الكفر أبدا، ولكن المراد ما استضاؤوا به قليلا بالكلمة الـمجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي.
وللآية تفسير ءاخر، وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل، ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات.
- {صم بكم عمي} أي هم صم، كانت حواسهم سليمة، ولكن لما سدوا عن الإصاخة([15]) إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، جعلوا كأنا إيفت([16]) مشاعرهم {فهم لا يرجعون} لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها.
- {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل ءاخر لزيادة الكشف والإيضاح، شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق. شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق، والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخر. والصيب: المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع، وتنكير صيب لأنه نوع من المطر شديد هائل. والسماء: هذه الـمظلة. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه، أو ملك يسوق السحاب([17])، والبرق: الذي يلمع من السحاب. وأما ظلمات المطر فظلمة متكاثفة بتتابع القطر وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل {يجعلون أصابعهم في ءاذانهم} كأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في ءاذانهم، ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقال: يكاد البرق يخطف أبصارهم، {من الصواعق} من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في ءاذانهم، والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة([18]) من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود، ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق، أي مات، إما بشدة الصوت أو بالإحراق {حذر الموت} الموت فساد بنية الحيوان أو عرض لا يصح معه إحساس، معاقب([19]) للحياة {والله محيط بالكافرين} يعني أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، فهو مجاز.
- {يكاد البرق يخطف أبصارهم} الخطف الأخذ بسرعة، وكاد يستعمل لتقريب الفعل جدا {كلما أضاء لهم} أي كل وقت أضاء لهم فيه {مشوا فيه} أي: في ضوئه، كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة([20]) مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين {وإذا أظلم عليهم قاموا} وقفوا وثبتوا في مكانهم {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} بقصيف([21]) الرعد {وأبصارهم} بوميض([22]) البرق {إن الله على كل شيء قدير} إن الله قادر على كل شيء.
([3]) أي: حمل للعالم على الصبر على ما يلقى من الجاهلين.
([4]) أي: اليهود لأن هؤلاء كانوا منهم ثم أسلموا.
([6]) هذا للتوفيق في اللفظ والمطابقة، والمعنى مختلف.
([8]) أي: يجازيهم على استهزائهم.
([10]) قبل أن يظهر الرسول ﷺ كانت اليهود تعتقد أنه سيأتي نبي ءاخر الزمان، وكانوا يمدحونه يظنون أنه سيكون منهم من ذرية داود عليه السلام، فلما ظهر ولم يكن من ذرية داود حسدوه ولم يؤمنوا به.
([12]) ويقابل ذلك عدها جسما لطيفا، وقيل غير ذلك.
([13]) أي: شخصان، والمراد أن الرائي والمرئي لا يريان في الظلمة.
([15]) الإصاخة: الاستماع والإنصات.
([16]) أصابت مشاعرهم الآفة أي فسدت، والمشاعر ءالات الشعور، أي الحواس.
([17]) هذا الثاني هو المعتمد، ففي الحديث: «الرعد ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله». رواه الترمذي وغيره. والمخراق شيء من نار كالرداء الملفوف لكنه من نار.
([19]) الموت ضد الحياة، فإذا ذهبت الحياة جاء الموت، وإذا جاءت الحياة ذهب الموت.
([21]) يقال رعد قاصف أي شديد مهلك لصوته، وإذا بلغ الرعد الغاية في الشدة فهو قاصف وقصيف.
([22]) الوميض: لمعان البرق وكل شيء صافي اللون، وقد يكون الوميض للنار.
