تفسير سورة البقرة من الآية واحد إلى عشرة
سورة البقرة
مدنية وهي مائتان وست أو سبع وثمانون ءاية
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة البقرة من الآية واحد إلى عشرة
الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10)
- {الم}([1]) ونظائرها أسماء([2])، مسمياتها الحرف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، ثم الجمهور على أنها أسماء السور، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أقسم الله بهذه الحروف، وقيل: إنها نم المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. وقيل: ورود هذه الأسماء على نمط التعديد كالإيقاظ لمن تحدي بالقرءان، وكالتحريك للنظر في أن هذا الـمتلو عليهم – وقد عجزوا عنه عن ءاخرهم – كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة – وهم أمراء الكلام – إلا لأنه ليس من كلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر. فكأن الله تعالى عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مر من التبكيت([3]) لهم وإلزام الحجة إياهم. وإنما جاءت مفرقة على السور، لأن إعادة التنبيه على الـمتحدى به مؤلفا منها لا غير أوصل إلى الغرض، وكذا كل تكرير ورد في القرءان فالمطلوب منه تمكين الـمكرر في النفوس وتقريره، ولم تجئ على وتيرة([4]) واحدة، بل اختلفت أعداد حروفها مثل: {ص} [ص: 1} و{ق} [ق: 1} و{ن} [القلم: 1} و{طه} [طه: 1} و{طس} [النمل: 1} و{يس} [يس: 1} و{حم} [غافر: 1} و{الم} [البقرة: 1} و{الر} [يونس: 1} و{طسم} [الشعراء: 1} و{المص} [الأعراف: 1} و{المر} [الرعد: 1} و{كهيعص} [مريم: 1} و{حم(1) عسق} [الشورى: 1، 2}، فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة كعادة افتنانهم([5]) في الكلام.
- {ذلك الكتاب} أي ذلك الكتاب الذي وعد به على لسان موسى وعيسى عليهما السلام، أو ذلك الكتاب الـمنزل هو الكتاب الكامل {لا ريب فيه} لا شك، وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة»، أي: فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن، وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق – وقد ارتاب فيه كثير([6]) – لأن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، لا أن أحدا لا يرتاب. وإنما قيل: {هدى للمتقين} والمتقون مهتدون، لأنه كقولك للعزيز الـمكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت فيه واستدامته، ولم يقل: هدى للضالين لأنهم فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة، وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى، وهو هدى لهؤلاء فحسب، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا فقيل: هدى للمتقين مع أن فيه تصديرا للسورة التي هي أولى الزهراوين([7]) وسنام([8]) القرءان بذكر أولياء الله، والمتقي من يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك، والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يقال إن قوله: {الم} جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و{ذلك الكتاب} جملة ثانية و{لا ريب فيه} ثالثة {هدى للمتقين} رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف، وذلك لمجيئها متآخية ءاخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة؛ بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام الـمتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث([9]) به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
- {الذين} أي هم الذين {يؤمنون} يصدقون {بالغيب} بما غاب عنهم مما أنبأهم به النبي عليه الصلاة والسلام من أمر البعث والنشور والحساب وغير ذلك، والإيمان الصحيح أن يقر باللسان ويصدق بالجنان، والعمل ليس بداخل([10]) في الإيمان {ويقيمون الصلاة} أي يؤدونها، فعبر عن الأداء بالإقامة، لأن القيام بعض أركانها أو أريد بإقامة الصلاة الدوام عليها والمحافة {ومما رزقناهم} أعطيناهم و«ما» بمعنى الذي {ينفقون} يتصدقون، والمراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها، أو هي وغيرها من النفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقا([11]).
- {والذين يؤمنون} هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين ءامنوا بكل وحي أنزل من عند الله، وأيقنوا بالآخرة إيقانا زال([12]) معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات.
والمعنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. {بما أنزل إليك} يعني القرءان والمراد جيع القرءان لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم لأن الإيمان بالجميع واجب ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل {وما أنزل من قبلك} يعني سائر الكتب المنزلة على النبيين {وبالآخرة} هي صفة والموصوف محذوف وهو الدار بدليل قوله: {تلك الدار الأخرة} [القصص: 83] {هم يوقنون} الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
- {أولئك على هدى} يجوز أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله ﷺ وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله. {من ربهم} أوتوه من عنده {وأولئك هم المفلحون} الظافرون بما طلبوا الناجون عما هربوا، فالفلاح درك البغية، والـمفلح الفائز بالبغية.
لما قدم ذكر أوليائه بصفاتهم الـمقربة إليه [قربا معنويا]، وبين أن الكتاب هدى لهم قفى على أثره([13]) بذكر أضدادهم، وهم العتاة الـمردة الذين لا ينفع فيهم الهدى بقوله:
- {إن الذين كفروا} الكفر ستر الحق بالجحود، والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وأبي لهب وأضرباهما {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي {لا يؤمنون}([14]) جملة مؤكدة للجملة قبلها، والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة، وليكون الإرسال عاما وليثاب الرسول ﷺ.
- {ختم الله على قلوبهم} الختم التغطية، وقال ابن عباس: طبع الله على قلوبهم فلا يعقلون الخير، وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه {وعلى سمعهم} أي على مواضع سمعهم {وعلى أبصارهم غشاوة} البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي، كما أن البصيرة نور القب وهي ما به يستبصر ويتأمل فهما ءالتان للإبصار والاستبصار. والغشاوة الغطاء، قال الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله: الكافر لما لم يسمع قول الحق ولم ينظر في نفسه وغيره من المخلوقات ليرى ءاثار الحدوث فيعلم أن لا بد له من صانع جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة وإن لم يكن ذلك حقيقة، وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية. والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح، فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم، ولا شك أن ترك الختم أصلح لهم([15])، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهم غطاء التعامي عن ءايات الله تعالى {ولهم عذاب عظيم} الفرق بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير، والكبير يقابل الصغير، فكان العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير. و[المعنى]: لهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه([16]) إلا الله تعالى.
- {ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر} افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين قلوبا وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين الذين ءامنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة، لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا، ولذا نزل فيهم: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] {وما هم بمؤمنين} المراد إنكار ما ادعوه ونفيه على أبلغ وجه وءاكده، وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين. ونحوه قوله تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} [المائدة: 37]، فهو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها. والآية تنفي قول الكرامية: إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير، لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم.
- {يخادعون الله} أي رسول الله، فحذف المضاف كقوله: {واسأل القرية}([17]) [يوسف: 82]، أي يظهرون غير ما في أنفسهم، فالخداع إظهار غير ما في النفس، وقد رفع الله منزلة النبي ﷺ حيث جعل خداعه خداعه، وهو كقوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] وقيل معناه يخادعون الله في زعمهم، لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه {والذين ءامنوا} أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر {وما يخدعون إلا أنفسهم} أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم؛ لأن ضررها يلحقهم، وحاصل خداعهم – وهو العذاب في الآخرة – يرجع إليهم، فكأنهم خدعوا أنفسهم {وما يشعرون} أن حاصل خداعهم يرجع إليهم، والشعور علم الشيء علم حس، ومشاعر الإنسان حواسه، لأنها ءالات الشعور، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالـمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
{في قلوبهم مرض} شك ونفاق، لأن الشك تردد بين الأمرين، والمنافق متردد، والنفاق فساد في القلب {فزادهم الله مرضا} المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله([18])، كما عرف في زيادة الإيمان. {ولهم عذاب أليم} مؤلم {بما كانوا يكذبون} بكذبهم في قولهم: {ءامنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8]، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.
([1]) {الم} خبر لمبتدإ محذوف: أي هذه {الم}، هذه اسم الإشارة مبتدأ، و{ألم} خبر.
([2]) معناه أنها ليست حروفا بل هي أسماء.
([3]) التبكيت: الإسكات والإلزام.
([6]) ليس المعنى لا أحد يرتاب في القرءان لأن كثيرا من الكفار ارتابوا فيه، وإنما المعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار بسبب عنادهم وسوء أفهامهم.
([7]) سورتي البقرة وءال عمران.
([8]) سنام البعير والناقة: أعلى ظهرهما، وهو خيار ما في البعير.
([10]) العمل لا يدخل في أصل الإيمان، لكن يطلق على العمل الإيمان.
([11]) اللفظ مطلق، يصح أن يكون المراد جميع النفقات في الخير، ليس الزكاة فقط.
([14]) {لا يؤمنون} يجوز أن يكون خبرا بعد خبر.
([15]) هذا رد لقول المعتزلة بأنه يجب على الله فعل الأصلح للعباد، لأنه معلوم أنه لو لم يختم على قلوبهم كان خيرا لهم.
([18]) أي: أن الكفار يتجدد فيهم النفاق ويزيد كما يتجدد الإيمان ويزداد عند المؤمنين، أو المعنى بما أنزله من القرءان لكفرهم به ومن زيادة التكاليف لنفاقهم في أدائها صورة.
