سورة الفاتحة – كاملة
فاتحة الكتاب
مكية وقيل مدنية والأصح أنها مكية ومدنية
بسم الله الرحمن الرحيم
نزلت بمكة حين فرضت الصلاة ثم نزلت بالمدينة حين حولت القبلة إلى الكعبة وتسمى أم القرءان للحديث قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرءان». ولاشتمالها على المعاني التي في القرءان، وسورة الوافية والكافية لذلك، والشفاء والشافية، والمثاني لأنها تثنى([1]) في كل صلاة، وسورة الصلاة لما يروى([2]) ولأنها تكون واجبة([3]) أو فريضة([4])، وسورة الحمد والأساس فإنها أساس القرءان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس»، وءايها سبع بالاتفاق.
تفسير سورة الفاتحة كاملة:
بسم الله الرحمن الرحيم (1)
الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
- {بسم الله الرحمن الرحيم} قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور – [ولكنها بعض ءاية في سورة النمل في قوله تعالى: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] -، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه رحمهم الله، ولذا لا يجهر بها عندهم في الصلاة؛ وقراء مكة والكوفة على أنها ءاية من الفاتحة ومن كل سورة [سوى براءة (التوبة) فإنها لا تبدأ بالبسملة]، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ولذا يجهرون بها في الصلاة، وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرءان عما ليس منه. ولنا([5]) حديث أبي هريرة قال سمعت النبي عليه السلام يقول: «قال الله تعالى قسمت الصلاة – أي: الفاتحة – بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد {الحمد لله رب العالمين} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم(6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». [فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن البسملة ءاية من الفاتحة ومن كل سورة سوى براءة، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أنها ءاية مستقلة بين كل سورتين سوى بين الأنفال والتوبة (براءة) فيكره ابتداؤها بها، ومذهب مالك أنها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها في أوائل السور، وإنما كتبت للتيمن والتبرك بها مع إجماعهم على أنها بعض ءاية من سورة النمل، وأن بعضها ءاية من الفاتحة]. وتعلقت الباء [في {بسم الله} بمحذوف تقديره «باسم الله أقرأ أو أتلو»، لأن الذي يتلو التسمية مقروء، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله باسم الله كان مضمرا([6]) ما جعل التسمية مبدأ له، وإنما قدر المحذوف متأخرا لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به([7])، وكانوا يبدأون بأسماء ءالهتهم [المزعومة] فيقولون: باسم اللات وباسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء، وذا بتقديمه وتأخير الفعل([8])، وإنما قدم الفعل في {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] لأنها أول سورة نزلت في قول، وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أوقع([9]). {الله} مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة لأنك تصفه ولا تصف به، تقول: الله واحد صمد. و{الرحمن} هو الذي وسعت رحمته كل شيء، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذا جاء في الدعاء «يا رحمن الدنيا» لأنه يعم المؤمن والكافر، و«رحيم الآخرة» لأنه يخص المؤمن، وقالوا: الرحمن خاص تسمية لأنه لا يوصف به غيره، وعام معنى([10]) لما بينا، و{الرحيم} بعكسه لأنه يوصف به غيره، ويخص المؤمنين، ولذا قدم الرحمن وإن كان أبلغ، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى([11]). ورحمة الله إنعامه على عباده.
- {الحمد} هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل([12]) {لله} أي واجب أو ثابت، {رب العالمين} الرب المالك، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده([13])، وهو في العبيد مع التقييد {إنه ربي أحسن مثواي}([14]) [يوسف: 23] {ارجع إلى ربك} [يوسف: 50]([15])، وهو اسم الله الأعظم([16])، والعالم كل ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض([17])، أو كل موجود سوى الله تعالى، سمي به لأنه علم على وجوده([18]).
- {الرحمن الرحيم} ذكرهما قد مر.
- {مالك يوم الدين} أي يوم الجزاء، ويقال: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى، أي مالك الأمر كله في يوم الدين، والتخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه ربا أي مالكا للعالمين ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {الحمد لله}، دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.
- {إياك نعبد وإياك نستعين} نخصك بالعبادة، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونخصك بطلب الـمعونة؛ وعدل عن الغيبة([19]) إلى الخطاب للالتفات، وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم([20]) بريح طيبة} [يونس: 22]، وقوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه}([21]) [فاطر: 9]، والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية([22]) لنشاطه، وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق الـمهرة والعلماء النحارير، وقليل ما هم؛ ومما اختص به هذا الـموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء وأجري عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة، أو لنظم الآي كما قدم الرحمن، وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان([23]) فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات.
- {اهدنا الصراط المستقيم} ثبتنا على الـمنهاج الواضح، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال([24]).
- {صراط الذين أنعمت عليهم} فائدته التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم تفسيره: صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وءاكده، وهم المؤمنون أو الأنبياء عليهم السلام، أو قوم موسى قبل أن يغيروا([25]) {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} بدل من {الذين أنعمت عليهم}، يعني أن الـمنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو جمعوا بين النعمة الـمطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال، وغضب الله إرادة الانتقام من المكذبين وإنزال العقوبة بهم، وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود، لقوله تعالى: {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60]، والضالون هم النصارى([26]) لقوله تعالى: {قد ضلوا من قبل} [المائدة: 77]، و«لا» زائدة عند البصريين للتوكيد([27])، وعند الكوفيين هي بمعنى غير.
ءامين([28]) صوت سمي به الفعل الذي هو «استجب» كما أن رويدا اسم لأمهل، وليس من القرءان، بدليل أنه لم يثبت في المصاحف([29]).
([2]) أراد الحديث القدسي: «قسمت الصلاة».
([3]) الفاتحة ليست من أركان الصلاة عند أبي حنيفة، لكن قراءتها واجبة، ومن تركها عمدا أثم، ويجب عليه إعادة الصلاة في الوقت، فإن ترك الإعادة أثم، وإن تركها سهوا وجب عليه سجود السهو.
([4]) يعني بقوله: «أو فريضة» عند غير الحنفية لأن الفريضة عندهم ما كان ركنا.
([7]) أي: أن الأهم بين الفعل المقدر الذي هو أقرأ أو أتلو، وبين المتعلق به الذي هو بسم الله، هو المتعلق به وهو بسم الله.
([8]) أي: بتقديم اسم الله على الفعل المقدر يفهم اختصاص الله تعالى بقصد التبرك بذكره دون غيره.
([9]) أي: أكثر تأثيرا في النفوس.
([10]) أي: لا يسمى به غير الله، لكن معناه بحسب اللغة كثير الرحمة.
([11]) هذا جاء على خلاف الغالب، إذ الغالب أن يذكر الأدنى ثم الأعلى.
([12]) أي: ليس على جهة التحقير، لأنه قد يوصف الشيء بالجميل لا على وجه التبجيل، بل على وجه الإهانة والتهكم، كما يقال لأبي جهل يوم القيامة: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49].
([13]) الرب: بالألف واللام لا يطلق إلا على الله.
([14]) هذه الآية وردت في حق يوسف عليه السلام وفيها قولان أحدهما أنه أراد أن الله تعالى أحسن مثواه، والثاني أن العزيز الذي هو في صورة السيد أحسن مثواه.
([15]) معناه أنه في الآيتين في القرءان أطلق على غير الله، لأنه غير مقرون بالألف واللام.
([16]) أي: هو الاسم الأعظم في الأسماء المفردة.
([17]) الأجسام ما كان مركبا من جوهرين فأكثر، وأما الجواهر فهو جمع جوهر، وهو ما كان له كم. والأعراض: جمع عرض، وهو ما يقوم بالأجسام والجواهر.
([18]) أي: دليل على وجود الله.
([19]) هذه الألفاظ {رب العالمين}، {مالك يوم الدين}، من ألفاظ الغيبة، وأما {إياك} فهو من ألفاظ الخطاب، هذا يقال له عند علماء البيان الالتفات.
([20]) وقوله تعالى: {بهم} نزل مكان (بكم)، مكان الخطاب.
([21]) و{أرسل} هذا من ألفاظ الغيبة، و(سقناه) من ألفاظ التكلم.
([23]) معناه أنه ما قال: إياك نستعين في كذا، بل أطلق.
([24]) اهدنا في المستقبل كما هديتنا في الحال.
([25]) أي: صراط قوم موسى المسلمين.
([26]) هذا التفسير الأخير هو الذي يترجح بحديث الترمذي في سننه أن النبي ﷺ فسرها أي {المغضوب عليهم} باليهود و{الضالين} بالنصارى.
([27]) لا التي في {ولا الضالين} للتأكيد، لو لم يؤت بها لفهم المعنى، لو قيل: غير المغضوب عليهم والضالين لفهم المعنى، لكن إدخال لا على الضالين فيه تأكيد.
