تفسير سورة هود من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة هود من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) - {وهي تجري بهم} أي السفينة تجري وهم فيها {في موج كالجبال} يريد موج الطوفان {ونادى نوح ابنه} كنعان {وكان في معزل} عن أبيه وعن السفينة، أو في معزل عن دين أبيه {يا بني اركب معنا} في السفينة، أي أسلم واركب {ولا تكن مع الكافرين}.
- {قال سآوي} ألجأ {إلى جبل يعصمني من الماء} يمنعني من الغرق {قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} إلا الراحم وهو الله تعالى، أو ولكن من رحمه الله فهو المعصوم {وحال بينهما الموج} بين نوح وابنه {فكان من المغرقين}.
- {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} انشفي وتشربي {ويا سماء أقلعي} أمسكي {وغيض الماء} نقص {وقضي الأمر} وأنجز ما وعد الله نوحا من إهلاك قومه {واستوت} واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر {على الجودي} وهو جبل بالـموصل {وقيل بعدا للقوم الظالمين} سحقا لقوم نوح الذين غرقوا.
- {ونادى نوح ربه فقال رب} نداؤه ربه: دعاؤه له {إن ابني من أهلي} أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه {وإن وعدك الحق} وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي([1]) {وأنت أحكم الحاكمين} أعلم الحكام وأعدلهم. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: كان عند نوح عليه السلام أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق، وإلا لا يحتمل أن يقول: ابني من أهلي ويساله نجاته وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37] فكان يسأله على الظاهر الذي عنده ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله عليه.
- {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} الذين وعدت النجاة لهم، وهم المؤمنون حقيقة في السر والظاهر {إنه عمل غير صالح} إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب([2])، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهله، وهذا لـما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [أي أخبرتك عن حال ابنك إذ كنت غير عالم به، فلا تسألني بعد هذا ما ليس لك به علم حتى ءاذن لك] {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} هو كما نهي رسولنا بقوله: {فلا تكونن من الجاهلين} [الأنعام: 35] [قال الماتريدي: والعصمة لا تمنع النهي عن الشيء؛ بل بالنهي تظهر العصمة].
- {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} أي من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، تأدبا بأدبك، واتعاظا بموعظك، [إن الله عز وجل قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب العذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين] {وإلا تغفر لي} ما فرط مني {وترحمني} بالعصمة عن العود إلى مثله {أكن من الخاسرين}.
- {قيل يا نوح اهبط بسلام منا} بسلامة من الغرق {وبركات عليك} هي الخيرات النامية، وهي في حقه بكثرة ذريته وأتباعه، فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته، وأئمة الدين في القرون الباقية من نسله {وعلى أمم ممن معك} الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأن الأمم تتشعب منهم {وأمم} [من نسلك من الكفار] {سنمتعهم} في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش([3]) {ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة، والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك. وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه.
- {تلك} إشارة إلى قصة نوح عليه السلام {من أنباء الغيب نوحيها إليك} [يا محمد] {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك} تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك {من قبل هذا} الوقت {فاصبر} على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح {إن العاقبة} في الفوز والنصر والغلبة {للمتقين} عن الشرك.
- {وإلى عاد أخاهم} واحدا منهم، أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم {هودا قال يا قوم اعبدوا الله} وحدوه {ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون} تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء.
- تفسير سورة هود من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
