تفسير سورة الغاشية من الآية واحد إلى الآية ستة عشر
سورة الغاشية
مكية وهي ست وعشرون آية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الغاشية من الآية واحد إلى الآية ستة عشر
هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16)
- 7- {هل} بمعنى: قد {أتاك حديث الغاشية} الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها، يعني: القيامة، وقيل: النار {وجوه} أي: وجوه الكفار، وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما في الـمرء أثرا في الوجه {يومئذ} يوم إذا غشيت {خاشعة} ذليلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان {عاملة ناصبة} هم أصحاب الصوامع، [قال ابن عباس: عاملة في الدنيا ناصبة فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لها إلا النصب([1]) وخاتمته النار([2]) اهـ] {تصلى نارا حامية} تدخل نارا قد أحميت مددا طويلة، فلا حر يعدل حرها {تسقى من عين ءانية} من عين ماء قد انتهى حرها([3])، والمراد [أصحاب هذه الوجوه] بدليل قوله: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} هو نبت يقال لرطبه «الشبرق»([4])، فإذا يبس فهو ضريع، وهو سم قاتل، والعذاب ألوان، والـمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم([5])، ومنهم أكلة الغسلين([6])، ومنهم أكلة الضريع، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله: {ولا طعام إلا من غسلين} [الحاقة: 36] {لا يسمن ولا يغني من جوع} أي: منفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهما: إماطة([7]) الجوع، وإفادة السمن في البدن.
- 16- ثم وصف وجوه المؤمنين [فقال]: {وجوه يومئذ ناعمة} متنعمة في لين العيش {لسعيها راضية} رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب {في جنة عالية} من علو المكان، أو المقدار {لا تسمع} يا مخاطب، أو الوجوه {فيها لاغية} أي: لغوا([8])، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم {فيها عين جارية} أي: عيون كثيرة {فيها سرر} جمع سرير {مرفوعة} من رفعة الـمقدار، أو السمك([9])، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله([10]) ربه من الـملك والنعيم {وأكواب} جمع كوب، وهو القدح، وقيل: ءانية لا عروة لها {موضوعة} بين أيديهم ليتلذذوا بالنظر إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب {ونمارق} وسائد {مصفوفة} بعضها إلى جنب بعض، مساند ومطارح([11]) أينا أراد أن يجلس جلس على مسورة([12]) واستند إلى الأخرى {وزرابي} وبسط عراض فاخرة، جمع زربية {مبثوثة} مبسوطة، أو مفرقة في المجالس.
([1]) النصب: التعب والعناء والإعياء.
([2]) وقد كانوا يتخشعون يتعبون أنفسهم، يلبسون الجلود بدل الثياب، ويأوون إلى المغارات في الجبال، ويقاسون الشدائد، ويتحملون المشقات، على زعمهم يترقون عند الله وليس لهم شيء في الآخرة إلا العذاب.
([3]) أي: انتهى حرها إلى الغاية، إلى الحد البعيد، هؤلاء أئمة الكفر أصحاب الصوامع هم يلقون الكفر في طائفتهم، هم أشد كفرا من تجارهم وفلاحيهم، هم أئمة الكفر.
([4]) هذا في الحجاز موجود، وهو مر شديد المرارة، هناك في جهنم لهم الشبرق، هذا الشجر يأكلونه في جهنم، هو نابت في جهنم.
([5]) الزقوم: من أخبث الشجر المر كالسم، يكون بتهامة، ولكن طعام أهل النار هذا ينبت في قعر جهنم.
([6]) الغسلين: ما يسيل من أبدان أهل النار من الدم والصديد وهو القيح الذي يسيل من جلودهم.
([8]) أي: سقطا من الكلام لا فائدة فيه ولا نفع.
([9]) السمك: الارتفاع من جهة العلو.
([10]) ورد في الأثر أن فرشهم هذه مسيرة مائة سنة، لأن الواحد هناك له أرض واسعة، أقلهم له مسيرة ألف سنة، كل هذا أشجار مثمرة وسرر، ليس فراغا إذا ارتفع على سريره هذا، يرى ماله بدون تعب، يرتفع عليه، الله يعطيهم قوة نظر، يرون مسافة ألف سنة، يرون أقصاها كما يرون أدناها، ليس كما هي حالهم اليوم.
