تفسير سورة الغاشية من الآية سبعة عشر إلى الآية ستة وعشرين
تفسير سورة الغاشية من الآية سبعة عشر إلى الآية ستة وعشرين
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26)
ولما أنزل الله تعالى هذه الآيات في صفة الجنة، وفسر النبي عليه الصلاة والسلام بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل في حساب الخلق لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزرابي كذا، أنكر الكفار وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير، وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتنبسط الزرابي هذا الانبساط، ولم نشاهد ذلك في الدنيا؟ فقال الله تعالى:
- 20- {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} طويلة، ثم تبرك حتى تركب أو يحمل عليها، ثم تقوم، فكذا السرير يطأطئ([1]) للمؤمن كما يطأطئ الإبل {وإلى السماء كيف رفعت} رفعا بعيد المدى بلا إمساك عمد، ثم نجومها تكثر([2]) هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق، فكذا الأكواب {وإلى الجبال كيف نصبت} نصبا ثابتا، فهي راسخة لا تميل مع طولها، فكذا النمارق {وإلى الأرض كيف سطحت} سطحا بتمهيد وتوطئة، فهي كلها بساط واحد ينبسط من الأفق إلى الأفق، فكذا الزرابي، ويجوز أن يكون المعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه؟ وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب، وحث لهم على الاستدلال، والـمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له، والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل، فهي أعز أموالهم، وهم لها أكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات، ولأنها تجمع جميع المآرب([3]) المطلوبة من الحيوان، وهي النسل والدر والحمل والركوب والأكل بخلاف غيرها، ولأن خلقها أعجب من غيرها، فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها([4]) لا تعاز([5]) ضعيفا ولا تمانع صغيرا([6])، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار([7])، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وتجرها إلى البلاد الشاحطة([8])، وصبرها على احتمال العطش، حتى إن أظماءها([9]) لترتفع إلى العشر([10]) فصاعدا، وجعلها ترعى كل نابت في البوادي مما لا يرعاه سائر البهائم([11]).
- 26- {فذكر} فذكرهم بالأدلة ليتفكروا فيها {إنما أنت مذكر} ليس عليك إلا التبليغ([12]) {لست عليهم بمصيطر} بمتسلط [تدخل الإيمان في قلوبهم كرها، وإنما عليك التذكير والإرشاد والتبصير] {إلا من تولى وكفر(23) فيعذبه الله العذاب الأكبر} أي: لست بمسؤول عليهم، ولكن من تولى منهم وكفر بالله، فإن لله الولاية([13]) عليه والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم {إن إلينا إيابهم} رجوعهم [في الآخرة] {ثم إن علينا حسابهم} فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم بها جزاء أمثالهم. و(على) لتأكيد الوعيد، لا للوجوب، إذ لا يجب على الله تعالى شيء.
([2]) هذا توبيخ للكفار، معناه ألا تنظرون إلى نجوم السماء، هل تعرفون لها عددا؟ لا يعرفون لها عددا، كذلك هناك أكواب أهل الجنة شيء كثير كثير لا تعرفون لها عددا.
([4]) وهو الحبل الذي تقاد به الدابة.
([6]) الطفل يقودها، الله تعالى ذللها للبشر، لمنفعة البشر، الله ذللها مع طول حجمها، ولم يجعلها كالوحوش: الأسد والنمر والذئب، أولئك جعل قفيهم نفورا عن البشر، الله قادر على أن يجعل الإبل والبقر والغنم مثل أولئك، لكن جعل هؤلاء على حالة، وأولئك على حالة.
([7]) لتنوء: أي: لتنهض بالأحمال التي على ظهرها. والأوقار: الأحمال الثقيلة.
([9]) الظمء: ما بين الشربين والوردين في ورد الإبل، وهو حبس الإبل عن الماء إلى غاية الورد. والجمع: أظماء.
([10]) العشر: ورد الإبل اليوم العاشر.
([11]) ترعى أشجار الشوك، تأكل الشوك، أما البقر والغنم فيأكل الشيء الطري، الإبل جعل لها هذا الشوك قوتا.
([12]) الله تعالى هو الذي يهدي القلوب، الرسول وظيفته أن يبلغهم، أما عمل القلب فهو إلى الله، الله تعالى هو الذي يهدي قلوب البشر، الرسول يبلغ، ثم من شاء الله له الهدى يهدي قلبه، الرسول لا يستطيع أن يجعل مؤمنا، ليس من وظيفته، الرسول يسمع، فينتفعون إن شاء الله لهم، ولا ينتفعون إن لم يشأ الله لهم.
([13]) الولاية بالفتح: بمعنى النصرة، أي: لله النصرة عليه والقهر، وبالكسر بمعنى الـملك والسلطان.
