تفسير سورة الفجر من الآية واحد إلى الآية تسعة
سورة الفجر
مكية وهي ثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الفجر من الآية واحد إلى الآية تسعة
والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9)
- 5- {والفجر} أقسم [ربنا تبارك وتعالى] بالفجر وهو الصبح كقوله: {والصبح إذا أسفر} [المدثر: 34] أو بصلاة الفجر {وليال عشر} عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من الـمحرم، أو الأواخر من رمضان {والشفع والوتر} شفع كل الأشياء ووترها([1])، أو شفع هذه الليالي ووترها، أو شفع الصلاة ووترها، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه اليوم التاسع. وبعدها أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال: {والليل} وقيل: أريد به ليلة القدر {إذا يسر} إذا يمضي، وياء يسري تحذف في الدرج اكتفاء عنها بالكسرة، وقيل معنى يسري: يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه {هل في ذلك} أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء {قسم لذي حجر} عقل، سمي به لأنه يحجر([2]) عن التهافت([3]) فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى([4])، يريد: هل تحقق عنده أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها، أو هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي عقل، والـمقسم عليه محذوف وهو قوله: ليعذبن، يدل عليه قوله: [ألم تر} إلى قوله: {فصب عليهم ربك سوط عذاب}. ثم ذكر تعذيب الأمم التي كذبت الرسل فقال:
- 8- {ألم تر كيف فعل ربك بعاد(6) إرم ذات العماد} أي ألم تعلم يا محمد علما يوازي العيان في الإيقان، وهو استفهام تقرير، قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد([5])، كما يقال لبني هاشم هاشم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، والإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة، فإرم إيذان بأنهم عاد الأولى القديمة، وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى: أنهم كانوا طوال الأجسام، على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين([6]).
روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها([7])، فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد([8]) والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا، {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي: مثل عاد في قوتهم وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا.
{وثمود([9]) الذين جابوا الصخر} قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة {بالواد} بوادي القرى([10]).
([1]) الوتر بفتح الواو وكسرها: الفرد، والشفع: خلافه، وهو الزوج.
([3]) التهافت: السقوط، أي عن السقوط فيما لا ينبغي.
([4]) لأنه يعقل: أي: يحبس صاحبه عن التورط في المهالك، مأخوذ من العقل بمعنى: الحبس، والعاقل يحبس نفسه وينهاها عن الأهواء المهلكة.
([5]) وهم الذين أرسل إليهم سيدنا هود عليه السلام، ثم أهلكوا بالريح.
([6]) جمع أسطوانة: بمعنى العمود، أو السارية.
([7]) شداد بن عاد عاش تسعمائة سنة وكان تحته مائتان وستون ملكا وكان من العرب.
([8]) الزبرجد: من الأحجار الكريمة، أخضر اللون، كلون الزيتون الأخضر، وأما الياقوت فأحمر اللون.
([9]) ثمود: هم قوم نبي الله صالح، وأهلكوا بالصيحة.
([10]) وادي القرى: سمي بذلك لكثرة القرى فيه، وكان فيه منازل ثمود وعاد وبه أهلكوا.
