تفسير سورة السجدة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة السجدة من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) - {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} عذاب الدنيا من الأسر وما محنوا([1]) به من السنة([2]) سبع سنين {دون العذاب الأكبر} عذاب الآخرة، أي نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة، {لعلهم} لعل المعذبين بالعذاب الأدنى {يرجعون} يتوبون عن الكفر.
- {ومن أظلم ممن ذكر} وعظ {بآيات ربه} بالقرءان {ثم أعرض عنها} أي فتولى عنها ولم يتدبر فيها {إنا من المجرمين منتقمون} توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام.
- {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة {فلا تكن في مرية} شك {من لقائه} من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى ليلة المعراج، أو يوم القيامة {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} وجعلنا الكتاب المنزل على موسى لقومه هدى.
- {وجعلنا منهم أئمة يهدون} الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه {بأمرنا} إياهم بذلك {لما صبروا} حين صبروا على الحق بطاعة الله {وكانوا بآياتنا} التوراة {يوقنون} يعلمون علما لا يخالجه شك([3]).
- {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} بين الأنبياء وأممهم {فيما كانوا فيه يختلفون} فيظهر الـمحق من الـمبطل.
- {أولم يهد} يبين الله {لهم} لأهل مكة {كم أهلكنا من قبلهم من القرون} كعاد وثمود وقوم لوط {يمشون في مساكنهم} أي أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم([4]) {إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} المواعظ فيتعظون.
- {أولم يروا أنا نسوق الماء} نجري المطر والأنهار {إلى الأرض الجرز} الأرض التي جرز نباتها، أي قطع إما لعدم الماء أو لأنه رعي، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ([5]): جرز بدليل قوله: {فنخرج به} بالماء {زرعا تأكل منه} من الزرع {أنعامهم} من عصفه([6]) {وأنفسهم} من حبه {أفلا يبصرون} بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى.
- {ويقولون متى هذا الفتح} الفصل بالحكومة، من قوله تعالى: {ربا افتح بيننا} [الأعراف: 89]، [أي احكم بيننا]، وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون ذلك قالوا: متى هذا الفتح؟ أي في أي وقت يكون {إن كنتم صادقين} في أنه كائن.
- {قل يوم الفتح} يوم القيامة، وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} لما كان [سؤالهم] عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب والاستهزاء، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وءامنتم، فلا ينفعكم الإيمان.
- {فأعرض عنهم وانتظر} النصرة عليهم وهلاكهم {إنهم منتظرون} الغلبة عليكم وهلاككم.
([1]) الـمحنة: البلية التي يمتحن بها العبد.
([2]) السنة: المجاعة، سلط الله على كفار قريش المجاعة سبع سنين.
([4]) أهل مكة كانوا يتجرون في الصيف إلى الشام، وفي الشتاء إلى اليمن، فيمرون في أسفارهم على هذه الديار.
