تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد إلى عشرة
سورة الأحزاب
مدنية وهي ثلاث وسبعون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الأحزاب من الآية واحد إلى عشرة
يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10)
- {يا أيها النبي} يا أيها الـمخبر عنا، المأمون على أسرارنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا موسى، تشريفا له، وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: {محمد رسول الله} [الفتح: 29] ونحوه لتعلم الناس بأنه رسول الله {اتق الله} اثبت على تقوى الله ودم عليه وازدد منه، فهو باب لا يدرك مداه {ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الذين يظهرون لك الإيمان بالله، والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالا([1])، فلا تقبل منهم رأيا] واحترس منهم، فإنهم أعداء الله والمؤمنين {إن الله كان عليما} بخبث أعمالهم {حكيما} في تأخير الأمر بقتالهم.
- {واتبع ما يوحى إليك من ربك} في الثبات على التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين {إن الله} الذي يوحي إليك {كان بما تعملون خبيرا} لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم.
- {وتوكل على الله} وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره {وكفى بالله وكيلا} حافظا موكولا إليه كل أمر.
- {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم} ما جمع الله قلبين [يعقل بكل واحد منهما] في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة([2]) في رجل، والمعنى أنه تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين لم يحكم أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له، وأن يكون الرجل أصيلا غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة([3])، وهو رجل من كلب سبي صغيرا فاشتراه حكيم بن حزام([4]) لعمته خديجة([5])، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، فطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وكانوا يقولون: زيد ابن محمد [وذلك قبل أن ينزل النهي عن ذلك]، فلما تزوج النبي ﷺ زينب([6]) [بعدما تركها زيد – وكانت تحته -] قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى عنه، فأنزل الله هذه الآية، [وقوله تعالى: {اللائي تظاهرون منهن} [الأحزاب: 4] المراد به قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويترتب على من قال ذلك أحكام تطلب من كتب الفقه] {ذلكم قولكم بأفواهكم} أن قولكم للزوجة هي أم وللدعي هو ابن قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم {والله يقول الحق} أي ما هو حق ظاهره وباطنه {وهو يهدي السبيل} سبيل الحق.
ثم هي إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله:
- {ادعوهم لآبائهم هو أقسط} أعدل {عند الله} وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد([7]) الرجل ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أوراده من ميراثه، وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان {فإن لم تعلموا آباءهم} فإن لم تعلموا لهم ءاباء تنسبونهم إليهم {فإخوانكم في الدين ومواليكم} فهم إخوانكم وأولياؤكم في الدين، فقولوا: هذا أخي وهذا مولاي ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي {ولكن ما تعمدت قلوبكم} ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتموه بعد النهي {وكان الله غفورا رحيما} لا يؤاخذكم بالخطأ، ويقبل التوبة من المتعمد.
- {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه {وأزواجه أمهاتهم} في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن، وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات، ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن {وأولوا الأرحام} وذوو القرابات {بعضهم أولى ببعض} في التوارث، وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة، ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة {في كتاب الله} في حكمه وقضائه، أو في اللوح المحفوظ {من المؤمنين والمهاجرين} أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين – أي الأنصار بحق الولاية في الدين – ومن المهاجرين – بحق الهجرة – {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي التوارث بالأرحام كان مسطورا في اللوح.
- {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} واذكر حين أخذنا من النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم {ومنك} خصوصا وقدم رسول الله ﷺ على نوح ومن بعده، لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء، لأنهم أولو العزم وأصحاب الشرائع، فلما كان محمد ﷺ أفضل هؤلاء قدم عليهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} وثيقا، وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه، وإنما فعلنا ذلك:
- {ليسأل} الله {الصادقين} أي الأنبياء {عن صدقهم} عما قالوه لقومهم، أو ما الذي أجابتهم به أممهم {وأعد للكافرين} بالرسل {عذابا أليما} المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما.
- {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق {إذ جاءتكم جنود} أي الأحزاب، وهم قريش وغطفان وقريظة والنضير {فأرسلنا عليهم ريحا} أي الصبا([8])، قال عليه السلام: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»([9]) {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة، وكانوا ألفا، بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم([10])، وسفت([11]) التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب([12])، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت([13]) الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق([14]) على المدينة([15]) بإشارة سلمان، ثم خرج في ثلاثة ءالاف من المسلمين فضرب معسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنسوان فرفعوا في الآطام([16]) واشتد الخوف، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة ءالاف من الأحابيش([17]) وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود([18]) من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر {وكان الله بما تعملون بصيرا} أي بعملكم أيها المؤمنون من التحصن بالخندق والثبات على معاونة النبي ﷺ.
{إذ جاؤوكم من فوقكم} من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان {ومن أسفل منكم} من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش {وإذ زاغت الأبصار} عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع {وبلغت القلوب الحناجر} هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة {وتظنون بالله الظنونا} خطاب للذن ءامنوا – ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب – [وللمنافقين]، فظن الأولون([19]) بالله أنه يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم.
([1]) أي: لا يقصرون في إفساد أموركم وإلقاء أسراركم إلى الكفار.
([2]) الدعوة في النسب: أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته، ومنه الدعي: المنسوب إلى غير أبيه، والدعي: الـمتبنى الذي تبناه رجل فدعاه ابنه ونسبه إلى غيره.
([3]) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، صحابي من أقدمهم إسلاما، استشهد في غزوة مؤتة عام 8هـ.
([4]) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. أبو خالد، صحابي، قرشي، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين، كان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام، أسلم يوم الفتح، توفي عام 54هـ.
([5]) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، من قريش، أم المؤمنين، أول من أسلم من الرجال والنساء، أم أولاد النبي عليه الصلاة والسلام غير إبراهيم، ولدت عام 68ق.هـ، وتوفي في مكة عام 3ق.هـ.
([6]) زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية من أسد خزيمة، أم المؤمنين، وبسببها نزلت ءاية الحجاب، روت 11 حديثا، ولت عام 33 ق.هـ وماتت عام 20هـ.
([9]) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
([10]) الخصر بفتحتين: البرد، وقد خصر الرجل إذا ءالمه البرد في أطرافه.
([12]) الأطناب: حبال طويلة يشد بها الوتد.
([16]) الآطام: الأبنية المرتفعة كالحصون المبنية بالحجارة، مفردها أطم كعنق.
([17]) الأحابيش: هم الذين حالفوا قريشا، وهم بنو المصطلق، وبنو الهون، وبنو الحارث، اجتمعوا بذنبة حبشي جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك، بين مكة والطائف، وذنبة الجبل والوادي ءاخره، فتحالفوا وقالوا: إنا يد على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار وما رثي حبشي مكانه فسموا الأحابيش؛ أحابيش قريش، وقيل هو واد بمكة، وقيل سموا أحابيش لاجتماعهم.
