تفسير سورة السجدة من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة السجدة من الآية أحد عشر إلى عشرين
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) - {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} أي بقبض أرواحكم {ثم إلى ربكم ترجعون} مبعوثين للحساب والجزاء، وهذا معنى لقاء الله. والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح.
- {ولو ترى} الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد، والجواب محذوف، أي لرأيت أمرا عظيما {إذ المجرمون} وهم الذين قالوا: {أءذا ضللنا في الأرض}، {ناكسو رءوسهم} من الذل والندم {عند ربهم} عند حساب ربهم يقولون: {ربنا أبصرنا} صدق وعدك ووعيدك {وسمعنا} منك تصديق رسلك، أو كنا عميا وصما فأبصرنا وسمعنا {فارجعنا} إلى الدنيا {نعمل صالحا} أي الإيمان والطاعة {إنا موقنون} بالبعث والحساب الآن.
- {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} في الدنيا، أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره، وهو حجة على المعتزلة {ولكن حق القول مني} [ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} بما علمت أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم، وهو ما علم منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب، وفي تخصيص الجن والإنس إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبن به جهنم.
- {فذوقوا} العذاب {بما نسيتم لقاء} بما تركتم عمل لقاء {يومكم هذا} وهو الإيمان به {إنا نسيناكم} تركناكم في العذاب كالمنسي {وذوقوا عذاب الخلد} العذاب الدائم الذي لا انقطاع له {بما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصي.
- {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها} وعظوا بها {خروا سجدا} سجدوا لله تواضعا وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام {وسبحوا بحمد ربهم} ونزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له {وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له.
- {تتجافى} ترتفع وتتنحى {جنوبهم عن المضاجع} عن الفرش ومضاجع النوم [شغلا منهم بالصلاة في أوقات اضطجاع الناس للنوم والاستراحة] {يدعون} داعين {ربهم} عابدين له {خوفا وطمعا} لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وهم المتهجدون {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله تعالى.
- {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} لا يعلم أحد ما أعد لهؤلاء من الكرامة {جزاء بما كانوا يعملون} عن الحسن رضي الله عنه: أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعتن وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقا.
ثم بين أن من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان بقوله:
- {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} أي كافرا {لا يستوون} [في الشرف والمثوبة، تأكيد وتصريح، والجمع للحمل] على المعنى بدليل قوله:
- {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} هي نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء، وقيل: هي عن يمين العرش {نزلا بما كانوا يعملون} عطاء بأعمالهم [الصالحة].
{وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} ملجؤهم ومنزلهم {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم} تقول لهم خزنة النار: {ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} وهذا دلل على أن المراد بالفاسق الكافر؛ إذ التكذيب يقابل الإيمان.
