تفسير سورة السجدة من الآية واحد إلى عشرة
سورة السجدة
مكية وهي ثلاثون ءاية مدني وكوفي،
وتسع وعشرون ءاية بصريبسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة السجدة من الآية واحد إلى عشرة
الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10)- {الم} [مرت الأقاويل في ذلك في أول سورة البقرة].
- {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} لا ريب في كونه منزلا من رب العالمين، لأنه معجز للبشر، ومثله أبعد شيء من الريب. ثم أضرب عن ذلك إلى قوله:
- {أم يقولون افتراه} أي اختلقه محمد ﷺ إنكارا لقولهم وتعجيبا منهم لظهوره أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث ءايات منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق [بقوله]: {بل هو الحق من ربك} ولم يفتره محمد ﷺ كما قالوا تعنتا وجهلا، {لتنذر قوما} أي العرب [إذا كانوا أهل الفترة] {ما أتاهم} [أي لم يأتهم] {من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} [بإنذارك إياهم، وهو] على الترجي من رسول الله ﷺ كما كان {لعله يتذكر} [طه: 44] على الترجي من موسى وهارون عليهما السلام.
- {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} استولى عليه بإحداثه {ما لكم من دونه} من دون الله {من ولي ولا شفيع} أي إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي ناصرا ينصركم ولا شفيعا يشفع لكم {أفلا تتذكرون} تتعظون بمواعظ الله.
- {يدبر الأمر} أمر الدنيا {من السماء إلى الأرض} إلى أن تقوم الساعة {ثم يعرج إليه} ذلك الأمر كله، أي يصير إليه ليحكم فيه {في يوم كان مقداره ألف سنة} وهو يوم القيامة {مما تعدون} من أيام الدنيا، ولا تمسك للمشبهة بقوله: {إليه} في إثبات الجهة، لأن معناه إلى حيث يرضاه، أو أمره، كما لا تشبث لهم بقوله: {إني ذاهب إلى ربي} [العنكبوت: 99] {إني مهاجر إلى ربي} [الصافات: 26] {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله} [النساء: 100]، [والمعنى في هذه الآيات الثلاث إلى حيث أمر الله]([1]).
- {ذلك عالم الغيب والشهادة} الموصوف بما مر عالـم ما غاب عن الخلق وما شاهدوه {العزيز} الغالب أمره {الرحيم} البالغ لطفه وتيسيره:
- {الذي أحسن كل شيء} حسنه، لأن كل شيء مرتب على ما اقتضته الحكمة {خلقه} أي كل شيء خلقه فقد أحسنه [أي أتقنه] {وبدأ خلق الإنسان} آدم {من طين} [وهو التراب المبلول بالماء].
- {ثم جعل نسله} ذريته {من سلالة} من نطفة [سلت من أصلاب الرجال وترائب النساء] {من ماء} مني {مهين} ضعيف حقير [مستقذر لا خطر له عند الناس].
- {ثم سواه} قومه كقوله: {في أحسن تقويم} [التين: 4] {ونفخ} أدخل {فيه من روحه} [وأضاف الروح إلى ذاته دلالة على أنه خلق عجيب لا يعلم حقيقته إلا هو، وهي إضافة ملك إلى مالك وخلق إلى خالق]، كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه([2])، [وعلى هذا فالتسوية والنفخ شاملان لآدم عليه السلام وذريته، أو المراد ءادم عليه السلام فقط وعليه فالإضافة غليه تعالى للتشريف، كبيت الله، وناقة الله، وشهر الله، قال في شرح التأويلات: وجائز أن يكون ذكر النفخ لما أن الروح تدخل في أجسادهم وتنتشر فيها، وذلك عمل النفخ، لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ] {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا {قليلا ما تشكرون} أي تشكرون قليلا، [وهذا حث لهم على الاستكثار من الشكر له تعالى على هذه النعم لينالوا به النعيم المقيم في الآخرة أيضا].
([1]) المراد أنه كما لا تشبث للمشبهة بالآيتين الأولى والثانية في إثبات الجهة لله تعالى في مهاجر إبراهيم عليه السلام في فلسطين، ولا في الآية الثالثة في إثبات الجهة له تعالى في مهاجر الصحابة رضي الله عنهم في المدينة المنورة، كذلك لا تشبث لهم بقوله تعالى: {ثم يعرج إليه} في إثبات الجهة له سبحانه وتعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
([2]) أي نفخ فيه الروح الذي يحيا به البدن، والروح علمه عند الله تعالى وحده، لا يعلم حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى.
