تفسير سورة الإنسان من الآية واحد وعشرين إلى الآية واحد وثلاثين
- تفسير سورة الإنسان من الآية واحد وعشرين إلى الآية واحد وثلاثين
عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) - {عاليهم} أي: يطوف عليهم ولدان [عليهم] {ثياب سندس} ما يعلوهم من ملابسهم ثياب سندس([1]) رقيق الدباج {خضر} جمع أخضر {وإستبرق} غليظ {وحلوا أساور من فضة} وفي سورة الحج {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} قال ابن المسيب: لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة([2])، واحدة من فضة، وأخرى من ذهب، وأخرى من لؤلؤ. [وقيل: على التعاقب] {وسقاهم ربهم} أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص {شرابا طهورا} ليس برجس([3]) كخمر الدنيا. يقال لأهل الجنة:
- {إن هذا} النعيم {كان لكم جزاء} لأعمالكم {وكان سعيكم مشكورا} محمودا مقبولا مرضيا عندنا حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير: {لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}.
- {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} ولم يكن تنزيله مفرقا إلا حكمة وصوابا، ومن الحكمة الأمر بالمصابرة.
- {فاصبر لحكم ربك} عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية، وتأخير نصرتك على أعدائك من أهل مكة {ولا تطع منهم} من الكفرة {ءاثما} راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه {أو كفورا} فاعلا لما هو كفر، داعيا لك إليه، وقيل: الآثم: عتبة، لأنه كان ركابا للمآثم والفسوق، والكفور: الوليد، لأنه كان غاليا في الكفر والجحود، والظاهر أن المراد كل ءاثم وكافر، أي: ولا تطع ءاثما ولا كفورا.
- 26- {واذكر اسم ربك} صل له {بكرة} صلاة الفجر {وأصيلا} صلاة الظهر والعصر {ومن الليل فاسجد له} وبعض الليل فصل صلاة العشاءين {وسبحه ليلا طويلا} تهجد له هزيعا([4]) طويلا من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه.
- {إن هؤلاء} الكفرة {يحبون العاجلة} يؤثرونها على الآخرة {ويذرون وراءهم} قدامهم([5])، أو خلف ظهورهم {يوما ثقيلا} شديدا لا يعبأون به، وهو القيامة، لأن شدائده تثقل على الكفار.
- {نحن خلقناهم وشددنا} أحكمنا {أسرهم} خلقهم {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} أي: إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة من يطيع.
- 30- {إن هذه} السورة {تذكرة} عظة {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} بالتقرب إليه بالطاعة له واتباع رسوله {وما تشاؤون} اتخاذ السبيل إلى الله {إلا أن يشاء([6]) الله} هو لعموم المشيئة في الطاعة والعصيان والكفر والإيمان، فيكون حجة لنا على المعتزلة {إن الله كان عليما} بما يكون منهم من الأحوال {حكيما} مصيبا في الأقوال والأفعال.
- {يدخل من يشاء} هم المؤمنون {في رحمته} جنته، لأنها برحمته تنال، وهو حجة على المعتزلة لأنهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا في رحمته، لأنه شاء إيمان الكل، والله تعالى أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته، وهو الذي علم مه أنه يختار الهدى {والظالمين} الكافرين، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها {أعد لهم عذابا أليما} [أعد لهم في الآخرة عذابا مؤلما، وهو عذاب جهنم].
([1]) السندس: الحرير الرقيق الديباج، والإستبرق: الغليظ منه.
([2]) الأسورة: جمع سوار، والأساور: جمع الجمع، جمع أسورة.
([4]) أي: طائفة طويلة من الليل.
([5]) الوراء من الأضداد يكون للخلف وللأمام.
([6]) نقل الإمام النسفي عند تفسير هذه الآية قولا مردودا عن الزمخشري وقد حذفناه من الأصل ولكن نذكره هنا للتنبيه على رده وهو قوله: «النصب على الظرف، أي إلا وقت مشيئة الله» قال شيخنا العبدري رحمه الله: «مشيئة الله لا توقت بل هي أزلية أبدية، والصواب أن يقال {إلا أن يشاء الله} أي: إلا بمشيئة الله.
ونقل أبو حيان في البحر المحيط عن الزمخشري هذا القول – أي: الذي نقله النسفي عن الزمخشري – ورده وقال بعد نقله له: ونصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف إلا المصدر المصرح به كقولك: أجيئك صياح الديك، ولا يجيزون أجيئك أنت يصيح الديك ولا ما يصيح الديك، فعلى هذا لا يجوز ما قاله الزمخشري.
