تفسير سورة الإنسان من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الإنسان
مكية وهي إحدى وثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الإنسان من الآية واحد إلى الآية عشرة
هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10)
- {هل أتى} قد مضى([1]) {على الإنسان} ءادم عليه السلام {حين من الدهر} أربعون سنة مصورا قبل نفخ الروح فيه {لم يكن شيئا مذكورا} لم يذكر اسمه ولم يدر ما يراد به لأنه كان طينا يمر به الزمان.
- {إنا خلقنا الإنسان} أي: ولد ءادم، وقيل: الأول ولد ءادم أيضا، و{حين من الدهر} على هذا مدة لبثه في بطن أمه إلى أن صار شيئا مذكورا بين الناس {من نطفة أمشاج} من نطفة قد امتزج فيها الماءان {نبتليه} مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي {فجعلناه سميعا بصيرا} ذا سمع وبصر [يسمع الأصوات ويرى الذوات فيستدل بالمخلوقات على الخالق].
- {إنا هديناه السبيل} بينا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع {إما شاكرا} مؤمنا {وإما كفورا} كافرا، أي إن شكر [وإن] كفر فقد هديناه السبيل في الحالين [وعرفناه عاقبة ذلك].
- {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا} جمع سلسلة {وأغلالا} جمع([2]) غل {وسعيرا} نارا موقدة.
- {إن الأبرار} جمع بر وهم الصادقون في الإيمان {يشربون من كأس} خمر([3]) فنفس الخمر تسمى كأسا، وقيل الكأس: الزجاجة إذا كان فيها خمر {كان مزاجها} ما تمزج به {كافورا} ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده.
- {عينا يشرب بها عباد الله} يلتذ بها [عباد الله] يمزجون بها شرابهم {يفجرونها} يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم([4]) {تفجيرا} سهلا لا يمتنع عليهم.
- {يوفون بالنذر} بما أوجبوا على أنفسهم، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر([5]) على أداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى {ويخافون يوما كان شره} شدائده {مستطيرا} منتشرا.
- {ويطعمون الطعام على حبه} أي: حب الطعام مع الاشتهاء {مسكينا} فقيرا عاجزا عن الاكتساب {ويتيما} صغيرا لا أب له {وأسيرا} مأسورا. ثم عللوا إطعامهم فقالوا:
- {إنما نطعمكم لوجه الله} أي: لطلب ثوابه([6])، أو هو بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم لان الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئا {لا نريد منكم جزاء} هدية على ذلك {ولا شكورا} ثناء.
{إنا نخاف من ربنا} أي: إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، أو إنا نخاف من ربنا فتصدقنا لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف {يوما عبوسا قمطريرا} وصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء، والقمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.
([1]) وهو استفهام على وجه التقرير والخبر، بمعنى قد أتى، أي: قد مضى، وهو كقولك لآخر: هل وعظتك، هل أعنتك، وقد وعظته وأعنته.
([2]) وهو طوق من حديد يجعل في العنق وتشد به الأيدي إلى العنق بالسلسلة.
([3]) من خمر الجنة الذي هو غير مسكر وغير نجس.
([4]) يجعلونها تنبع وتجري حيث شاؤوا ومتى شاؤوا.
([5]) التوفر على الشيء: صرف الهمة له.
([6]) وهل تكلموا بذلك أو علمه الله منهم فأثنى عليهم به؟ قولان.
