تفسير سورة الأحقاف من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الأحقاف من الآية أحد عشر إلى عشرين
وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) - {وقال الذين كفروا للذين ءامنوا} أي لأجلهم، وهو كلام كفار مكة قالوا: عامة من يتبع محمدا السقاط([1])، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود {لو كان خيرا ما سبقونا إليه} لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء {وإذ لم يهتدوا به} [أي: ولما لم يصيبوا الهدى بالقرءان ولا بمن جاء به عادوه و]ظهر عنادهم {فسيقولون هذا إفك قديم} أي كذب متقادم، كقوله: {أساطير الأولين} [الأنعام: 25].
- {ومن قبله} أي القرءان {كتاب موسى} أي التوراة {إماما} قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام {ورحمة} لمن ءامن به وعمل بما فيه {وهذا} القرءان {كتاب مصدق} لكتاب موسى، ولما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب {لسانا عربيا} [أي: هو بلسان عربي لا يشكل على هؤلاء] {لينذر} أي الكتاب {الذين ظلموا} كفروا {وبشرى للمحسنين} للمؤمنين الـمطيعين.
- {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} على توحيد الله وشريعة نبيه محمد {فلا خوف عليهم} في القيامة {ولا هم يحزنون} عند الموت.
- {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} [ثوابا منا لهم ءاتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحة التي كانوا في الدنيا يعملونها].
- {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا} وصيناه بأن يحسن بوالديه إحسانا، [والإحسان: خلاف الإساءة، والتوصية: الأمر] {حملته أمه كرها ووضعته كرها} الكره بمعنى الـمشقة {وحمله وفصاله} ومدة حمله وفطامه {ثلاثون شهرا} وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى: {حولين كاملين} بقيت للحمل ستة أشهر {حتى إذا بلغ أشده} بلوغ الأشد: أن يكتهل([2]) ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله، وذلك إذا أناف([3]) على الثلاثين وناطح الأربعين([4]) {وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني} ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه، لأن النعمة عليهما نعمة عليه {وأن أعمل صالحا ترضاه} قيل: هي الصلوات الخمس {وأصلح لي في ذريتي} أي اجعل ذريتي موقعا للصلاح ومظنة له {إني تبت إليك} من كل ذنب {وإني من المسلمين} من المخلصين [المنقادين لدينك وأمرك ونهيك].
- {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم {وعد الصدق} [أي: وعدناهم بذلك وعدا صدقا]، قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه ءامن بالنبي ﷺ وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنهم {الذي كانوا يوعدون}.
- {والذي قال لوالديه} هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث {أف لكما} وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر {أتعدانني أن أخرج} أن أبعث وأخرج من الأرض {وقد خلت القرون من قبلي} ولم يبعث منهم أحد {وهما} أبواه {يستغيثان الله} يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله، ويقولان له {ويلك} دعاء عليه بالثبور([5])، والمراد به الحث والتحريض على الغيمان لا حقيقة الهلاك {ءامن} بالله وبالبعث {إن وعد الله} بالبعث {حق} صدق {فيقول} لهما: {ما هذا} القول {إلا أساطير الأولين} [أباطيل كتبها الأولون].
- {أولئك الذين حق عليهم} [أي: ثبت عليهم] {القول} [الوعيد] أي: {لأملأن جهنم} [هود: 119] {في أمم} في جملة أمم {قد خلت} مضت {من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [أي: هالكين].
- {ولكل} من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار {درجات مما عملوا} أي: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر وإنما قال {درجات} – وقد جاء: الجنة درجات والنار دركات – على وجه التغليب {وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} [لا يجازى الـمسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه، لا على ما لم يعمل، ولا يحمل عليه ذنب غيره، ولا يبخس الـمحسن منهم ثواب إحسانه].
{ويوم يعرض الذين كفروا على النار} عرضهم على النار تعذيبهم بها {أذهبتم} يقال لهم: أذهبتم {طيباتكم في حياتكم الدنيا} ما كتب لكم حظ من الطيبات([6]) إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها، وعن عمر رضي الله عنه لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي([7]) {واستمتعتم بها} بالطييبات {فاليوم تجزون عذاب الهون} أي: الهوان [والذل] {بما كنتم تستكبرون} تتكبرون [عن قبول الحق والانقياد لما أمرتم به] {في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} باستكباركم وفسقكم.
([1]) جمع ساقط وهو الذي لا يعبأ به.
([6]) أي المستلذات من المأكول والمشروب وغير ذلك.
([7]) سيدنا عمر لما ذهب إلى القدس ليصالح نصارى القدس، حاصر الصحابة القدس، أولئك سدوا الباب وشدوا على الصحابة فما استطاعوا أن يدخلوا، ثم قالوا: نريد أميركم، فأبلغ سيدنا عمر رضي الله عنه فذهب وهو راكب الإبل ولابس لباسا ليس ذا هيأة، الناس قالوا له: يا أمير المؤمنين لو لبست غير هذا، فغير لباسه، ثم بعد وقت عاد إلى ما كان عليه قبل ذلك، وكان قوته الشعير والزيت والتمر، ثم لما وصل إلى باب القدس قالوا هذا الذي نريده، لأنه كان مذكورا في كتبهم صفته، فسلموا له، فوضع عليهم الجزية وتركهم، لو أراد أن يتنعم في المأكل والمشرب لاستطاع أن يأكل ألذ المأكل، ويلبس أجمل الثياب، هكذا أولياء الله، سيدنا سليمان نبي الله عليه السلام أعطاه الله ملكا لم يعطه لأحد من العالمين، وكان يأكل خبز الشعير مع اللبن الحامض، أما الناس فكان يذبح لهم كل يوم مائة ألف شاة، وثلاثين ألف بقرة، لأن جيشه كان كثيرا، هكذا الأنبياء والأولياء لا يتنعمون.
