تفسير سورة الأحقاف من الآية واحد إلى عشرة
سورة الأحقاف
مكية وهي خمس وثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الأحقاف من الآية واحد إلى عشرة
حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10)
- 3- {حم} [تقدم الكلام في {حم} في أول سورة غافر] {تنزيل الكتاب من الله} [هذا تنزيل القرءان من عند الله {العزيز} في انتقامه، {الحكيم} في تدبير أمور خلقه] {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ملتبسا بالحكمة {وأجل مسمى} وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه، وهو يوم القيامة، [وهو مسمى معلوم عنده وإن أخفاه على خلقه] {والذين كفروا عما أنذروا} عما أنذروه من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه {معرضون} لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له.
- {قل أرأيتم} [يا محمد لهؤلاء المشركين] أخبروني {ما تدعون من دون الله} تعبدونه من الأصنام {أروني ماذا خلقوا من الأرض} أي شيء خلقوا مما في الأرض إن كانوا ءالهة؟! {أم لهم شرك في السماوات} شركة مع الله في خلق السماوات والأرض {ائتوني بكتاب من قبل هذا} من قبل هذا الكتاب، وهو القرءان، يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله {أو أثارة من علم} أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين {إن كنتم صادقين} أن الله أمركم بعبادة الأوثان.
- {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} معنى الاستفهام في {ومن أضل} إنكار أن يكون في الضلال كلهم من هو أبلغ ضلالا من عبدة الأوثان، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على كل شيء ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم، ولا قدرة له على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة {وهم} [أي: الأصنام المعبودون] {عن دعائهم} [عن دعاء عابديهم] {غافلون} [لأنهم جماد، لا يسمعون ولا ينطقون ولا يعقلون].
- {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء} أي الأصنام لعبدتها {وكانوا} أي الأصنام {بعبادتهم} بعبادة عبدتهم {كافرين} يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا.
- {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} جمع بينة وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات {قال الذين كفروا للحق} المراد بالحق الآيات، وبالذين كفروا الـمتلو عليهم {لما جاءهم} بادهوه([1]) بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر {هذا سحر مبين} ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه.
- {أم يقولون افتراه} إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر قولهم: إن محمدا افتراه أي اختلقه وأضافه إلى الله كذبا {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا} أي إن افتريته على سبيل الفرض عاجلني الله بعقوبة الافتراء عليه، فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه، فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه؟! {هو أعلم بما تفيضون فيه} تندفعون فيه من القدح في وحي الله والطعن في ءاياته وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى {كفى به شهيدا بيني وبينكم} يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالجحود والإنكار، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتتهم {وهو الغفور الرحيم} موعدة بالغفران والرحمة إن تابوا عن الكفر وءامنوا.
- {قل ما كنت بدعا([2]) من الرسل} المعنى: إني لست بأول مرسل فتنكروا نبوتي {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان، [قيل: في الدارين، أي على التفصيل، إذ لا علم لي بالغيب، وقيل: في الدنيا، وقد كمان في الأنبياء من يسلم من الـمحن، ومنهم من يمتحن بالهجرة عن الوطن، ومنهم من يبتلى بأنواع الفتن، والأمم منهم من أهلك بالخسف ومنهم من كان هلاكه بالقذف، وكذا بالمسخ والرجف، والريح والصيحة والغرق ونحو ذلك] {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [لا أتجاوزه] {وما أنا إلا نذير} [من عقاب الله] {مبين} [بين الإنذار بالشواهد المبينة، والمعجزات المصدقة].
{قل أرأيتم إن كان} القرءان {من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل} هو عبد الله بن سلام عند الجمهور، ولهذا قيل: إن هذه الآية مدنية، لأن إسلام ابن سلام بالمدينة. روى أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب، قال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته»، فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، {على مثله} الضمير للقرءان، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرءان من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك {فآمن} الشاهد {واستكبرتم} عن الإيمان به، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كان القرءان من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ويدل على هذا المحذوف {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} المعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرءان من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله، فإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
