تفسير سورة الأحقاف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الأحقاف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) - {واذكر أخا عاد} أي: هودا عليه السلام {إذ أنذر قومه بالأحقاف} عن ابن عباس رضي الله عنهما: وهو واد بين عمان ومهرة([1]) {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} من قبل هود ومن خلف هود {ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك.
- {قالوا} أي قوم هود: {أجئتنا لتأفكنا} لتصرفنا {عن ءالهتنا} عن عبادتها {فأتنا بما تعدنا} من معاجلة العذاب على الشرك {إن كنت من الصادقين} في وعيدك.
- {قال إنما العلم} بوقت مجيء العذاب {عند الله} ولا علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم {وأبلغكم ما أرسلت به} أي: الذي هو شأني أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف {ولكني أراكم قوما تجهلون} ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.
- {فلما رأوه عارضا} العارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء {مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا} روي أن المطر قد احتبس عنهم، فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم، فقالوا: هذا سحاب يأتينا بالمطر، وأظهروا لذلك فرحا، قال هود: {بل هو ما استعجلتم به} من العذاب، ثم فسره فقال: {ريح فيها عذاب أليم}.
- {تدمر كل شيء} تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية، [أي: كل شيء أمرت بتدميره] {بأمر ربها} رب الريح {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} لا يرى شيء غلا مساكنهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما: اعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلذه الأنفس وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض([2]) وتدمغهم بالحجارة {كذلك نجزي القوم المجرمين} مثل ذلك نجزي من أجرم مثل جرمهم، وهو تحذير لمشركي العرب.
- {ولقد مكناهم} [أعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأجسام والأموال] {فيما إن مكناكم فيه} فما ما مكناكم فيه، [أي: فيما لم نمكنكم في مثله، ثم هم لم يمكنهم التحرز عما أصبناهم به، فكيف أنتم؟!] {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} أي: ءالات الدرك والفهم [ليعلموا بها بطلان الشرك] {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} أي: من شيء من الإغناء، وهو القليل منه {إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم} ونزل بهم {ما كانوا به يستهزؤون} جزاء استهزائهم، وهذا تهديد لكفار مكة.
ثم زادهم تهديدا بقوله:
- {ولقد أهلكنا ما حولكم} يا أهل مكة {من القرى} نحو حجر([3]) ثمود وقرى قوم لوط، والمراد أهل القرى، ولذلك قال: {وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} كررنا عليهم الحجج وأنواع العبر لعلهم يرجعون عن الطغيان إلى الإيمان، فلم يرجعوا.
- {فلولا نصرهم} فهلا [منع عن هؤلاء الذين أهلكناهم] {الذين اتخذوا من دون الله} [الأصنام التي اتخذوها من دون الله] {قربانا} القربان ما تقرب به إلى الله تعالى، أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله تعالى حيث قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18]، {ءالهة} [أي: واتخذوهم ءالهة لهم يعبدونها حيث قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي} [الزمر: 3] {بل ضلوا عنهم} غابوا عن نصرتهم {وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها ءالهة وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب.
- {وإذ صرفنا إليك نفرا} أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك، والنفر دون العشرة {من الجن} جن نصيبين {يستمعون القرءان} منه عليه الصلاة والسلام {فلما حضروه} أي: الرسول ﷺ أو القرءان أي: كانوا منه بحيث يسمعون {قالوا} قال بعضهم لبعض: {أنصتوا} اسكتوا مستمعين.
روي أن الجن كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء [من ذلك] ورجموا بالشهب، قالوا: ما هذا إلا لنبأ حدث، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوىٰ منهم زوبعة([4])، فضربوا([5]) حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا([6]) إلى وادي نخلة([7])، فوافوا رسول الله ﷺ وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر، فاستمعوا لقراءته {فلما قضي} فرغ النبي ﷺ من القراءة {ولوا إلى قومهم منذرين} إياهم، [أي: فهموا وحفظوا ورجعوا فأنذروا قومهم مخالفة القرءان].
{قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} وإنما قالوا {من بعد موسى} لأنهم كانوا على اليهودية {مصدقا لما بين يديه} [لما تقدمه] من الكتب {يهدي إلى الحق} إلى الله تعالى {وإلى طريق مستقيم} [من الشرائع].
([1]) مهرة وزان تمرة: حي من قضاعة من عرب اليمن.
([2]) من شدتها ترفعهم إلى ما بين السماء والأرض.
([3]) يريد أصحاب الحجر كما في الآية {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين} [الحجر: 80].
