السبت فبراير 14, 2026

احتجاج المجسمة والمشبهة بحديث الجارية:

وليس في حديث الجارية حجة لمجسمة العصر في زعمهم ان الله يسكن السماء، وهو حديث رواه مسلم([1]) من طريق راو واحد وهو معاوية بن الحكم وهو: ان رجلا جاء الى رسول الله ﷺ فسأله عن جارية له، قال: قلت: يا رسول الله، افلا اعتقها؟ قال: ائتني بها فأتاه بها فقال لها: اين الله؟ قالت: في السماء، قال: من انا؟ قالت: انت رسول الله، قال: اعتقها فانها مؤمنة. فهذا الحديث ليس معناه ان الله يسكن السماء كما توهم بعض الجهلة، بل معناه ان الله عالي القدر جدا، وليس فيه حجة على تفسيرهم له بالظاهر، لان ظاهره مخالف للحديث المتواتر الذي رواه خمسة عشر صحابيا سمعه كل منهم من الرسول وهو قوله ﷺ: امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا الا اله الا الله وانى رسول الله، فإذا شهدوا عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها. فهذا الحديث([2]) صريح بان الاسلام لا يصح الا بالشهادتين، ويدل على ذلك ايضا الحديث الذي رواه النسائي في السنن الكبرى([3]) عن انس رضي الله عنه ان رسول الله ﷺ دخل على غلام من اليهود وهو مريض فقال له: اسلم، فنظر الى ابيه فقال له ابوه: اطع رسول الله ﷺ، فقال اي الغلام: اشهد الا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: الحمد لله الذي انقذه بي من النار.

فان حمل حديث الجارية على الظاهر كان معناه مناقضا لهذا الحديث، ففيه ان الرسول ﷺ حكم على الجارية لارشارتها الى ان الله في السماء بأنها مؤمنة بالله، ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحكم بالايمان لمجرد قول انسان: الله في السماء، لان هذا القول مشترك بين اليهود والنصارى.

فما اسخف عقول المجسمة والمشبهة الذين يرون حديث الجارية اقوى شاهد على عقيدتهم الفاسدة حيث انهم اخذوا بظاهره فقالوا: الله حالل في السماء يعنون العرش، فوافقوا اهل الكتاب المشركين وكثيرا غيرهم من الكفار.

وبعض اهل السنة اثبتوه ولكنهم لم ياخذوا بظاهر هذا الحديث بل اولوه فقالوا: ان معنى ما ورد في هذا الحديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: اين الله؟ ما اعتقادك من التعظيم في الله؟ وقولها: في السماء معناه عالي القدر جدا. هؤلاء لم يحكموا ببطلانه نظرا لامكان هذا التأويل. ثم رواية ابن حبان([4]) لحديث الجارية من حديث الشريد بن سويد([5]) صاحب رسول الله ﷺ تخالف هذه الرواية المتقدمة، ولفظها: ان الرسول ﷺ قال لهذه الجارية: من ربك؟ فقالت: الله، فقال: ومن انا؟ قالت: انت رسول الله، قال: اعتقه فانها مؤمنة.

وروى ابن الجارود([6]) عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن رجل من الانصار انه جاء بامة سوداء فقال: يا رسول الله ان على رقبة مؤمنة، فان كنت ترى هذه مؤمنة اعتقها. فقال النبي ﷺ: اتشهدين ان لا اله الا الله؟ فقالت: نعم، قال: اتشهدين اني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: اتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: فاعتقها اهـ.

وقد حكم عدة علماء بشذوذ وضعف رواية مسلم لحديث الجارية، قال المحدث عبد الله بن الصديق الغماري([7]) ما نصه: الحديث شاذ لا يجوز العمل به ثم قال: وجاء حديثان مخالفان لحديث معاوية يؤكدان شذوذه، فروى البيهقي في السنن([8]) من طريق عون بن عبدالله بن عتبة: حدثني ابي عن جدي قال: جاءت امرأة الى رسول الله ﷺ بامة سوداء فقالت: يا رسول الله، ان على رقبة مؤمنة اتجزئ عني هذه؟ فقال رسول الله ﷺ: من ربك؟ قالت: الله ربي، قال: ما دينك؟ قالت: الاسلام، قال: من انا؟ قالت: انت رسول الله، قال: افتصلن الخمس وتقرن بما جئت به من عند الله؟ قالت: نعم، فضرب رسول الله ﷺ على ظهرها وقال: اعتقيها. وروى ايضا([9]) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن ابي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، ان امي اوصت الي ان اعتق عنها رقبة، وانا عندي جارية نوبية، فقال رسول الله ﷺ: ادع بها، فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من انا؟ قالت: رسول الله، قال: اعتقها فانها مؤمنة اهـ.

وهناك عدة احاديث ضعفها العلماء في صحيح مسلم، كما ذكر في كتاب الالزامات والتتبع للحافظ الدارقطني([10])، وكتاب هدي الساري وهو مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري([11])، وكلاهما لابن حجر، وكتاب شرح فتح القدير للكمال بن الهمام الحنفي([12])، وكتاب الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج لجلال الدين السيوطي([13])، وكتاب فتح المغيث شرح الفية الحديث للسخاوي([14])، وغيرها من الكتب([15]).

وقد شذ بعض المصنفين لما جمعوا في كتاب واحد اخبارا تحت ابواب متعددة، فخصصوا بابا لاثبات اليد، وخصصوا بابا لاثبات الرجل، وبابا لاثبات الوجه، فقوي بذلك الايهام وغلب الحس، ومن هؤلاء المجسم القاضي ابو يعلى الحنبلي([16]). وهذه الالفاظ وان كان بعضها قد صدر من رسول الله ﷺ الا ان ذلك كان في اوقات متفرقة مع كونها محفوفة بقرائن تشير الى معان صحيحة قد يضر بها هذا الجمع ويجردها عن قرائنها ويجعل معها قرينة عظيمة في تأكيد ايهام الظاهر والتشبيه. فالرسول ﷺ لم ينطق بما يوهم خلاف الحق، وانما الاشكال يحصل اذا ضم الى كلمة منها كلمة ثانية وثالثة ورابعة من جنس واحد فيضعف الانتباه الى هذا الاحتمال الصحيح وينصرف الذهن الى الاحتمال الفاسد.

واخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه انه قال: سمع النبي ﷺ قوما يتدارؤون([17]) فقال([18]): هلک من كان قبلکم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وانما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تضربوا بعضه بعضا، ما علمتم منه فقولوا وما لا فكلوه الى عالمه.

وبسنده ايضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله ﷺ: هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات، اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امننا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب {7} (ال عمران)، فقال رسول الله ﷺ([19]): فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين عنى الله فاحذروهم.

[1]) صحيح مسلم، مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من اباحته، 2/70.
[2]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الايمان: فان تابوا واقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم {5} (التوبة)، 1/12. صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب الامر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله، 1/38.
[3]) السنن الكبرى، النسائي، 5/173.
[4]) الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ابن بلبان، 1/206.
[5]) الشريد بن سويد الثقفي، له صحبة، يقال: كان اسمه مالكا فسمي الشريد لانه شرد من المغيرة بن شعبة لما قتل رفقته الثقفيين. الاصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، 3/340.
[6]) المنتقى من السنن المسندة، ابن الجارود النيسابوري، 1/234.
[7]) الفوائد المقصودة في بيان الاحاديث الشاذة المردودة، عبد الله الغماري، ص 87، 89.
[8]) السنن الكبرى، البيهقي، 7/388.
[9]) السنن الكبرى، البيهقي، 7/388.
[10]) الالزامات والتتبع، الدارقطني، ص120.
[11]) هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر، ص13، 14.
[12]) شرح فتح القدير، الكمال بن الهمام، ص18.
[13]) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاح، السيوطي، 1/20، 21.
[14]) فتح المغيث شرح الفية الحديث، السخاوي، 1/65، 66.
[15]) التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، النووي، ص18. طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ص138.
[16]) الكتاب المسمى اخبار الصفات.
[17]) تدارعوا: تدافعوا في الخصومة اهـ. القاموس المحيط، الفيروزابادي، مادة د ر ا، ص50.
[18]) خلق افعال العباد، البخاري، ص 46. مسند احمد، احمد، 2/185. المعجم الاوسط، الطبراني، 3/227.
[19]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: منه ايات محكمات 4/1655 رقم 4273. صحيح مسلم، مسلم، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه، 4/2053. بلفظ سمى بدل عنى وغيرهما.