تفسير سورة الفجر من الآية عشرة إلى الآية عشرين
- تفسير سورة الفجر من الآية عشرة إلى الآية عشرين
وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) - 14- {وفرعون ذي الأوتاد} أي: ذ الجنود الكثيرة، وكانت لهم مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسية([1]) {الذين} هم عاد وثمود وفرعون {طغوا في البلاد} تجاوزوا الحد {فأكثروا فيها الفساد} بالكفر والقتل والظلم {فصب عليهم ربك سوط عذاب} مجاز عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه إذ الصب يشعر بالدوام، والسوط بزيادة الإيلام، أي: عذبوا عذابا مؤلما دائما {إن ربك لبالمرصاد} هذا مثل لإرصاده العباد وأنهم لا يفوتونه، وأنه عالم بما يصدر منهم وحافظه، فيجازيهم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
- 16- {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن(15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} أي: ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته([2])، {فيقول ربي أهانن} أي: الواجب لمن ربه بالـمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة وهو قد عكس، فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر، قال: ربي أكرمني، أي: فضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ في الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا، لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما يلذه وينقمه([3]) فيها، فرد عليه زعمه بقوله:
20- {كلا} أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في توفيق الطاعة، والإهانة في الخذلان([4])، وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع([5])، وإنما أنكر قوله: ربي أكرمن مع أنه أثبته بقوله: فأكرمه لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكراما له لاستحقاقه كقوله [تعالى حكاية عن قارون] {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير استحقاق منه {بل لا تكرمون اليتيم(17) ولا تحاضون على طعام المسكين} أي: أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالـمبرة([6]) وحض أهله على طعام المسكين {وتأكلون التراث} أي الميراث {أكلا لما} ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم {وتحبون المال حبا جما} كثيرا شديدا مع الحرص([7]) ومنع الحقوق.
([1]) يقال إنه مدها إلى أربعة أوتاد ربطها بها وجعل على صدرها الرحى، أي: الحجارة العظيمة، وكانت ءاسية زوجته – في ذلك الوقت كان يجوز تزوج المسلمة بالكافر – وكانت من بني إسرائيل ليس من قومه، كانت جميلة تقية تعبد الله، في الأول ما كان يعارضها ثم في الأخير عذبها هذا العذاب الشديد.
([2]) البلغة: ما يكفي للعيش لا فضل فيه.
([4]) خذلان الله العبد: ألا يعصمه من الشبه فيقع فيها.
