تفسير سورة التغابن من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة التغابن
ثماني عشرة ءاية مختلف فيها([1])
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة التغابن من الآية واحد إلى الآية عشرة
يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10)
- {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} الـملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء والقائم به، وكذا الحمد، لأن أصول النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء([2])، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده([3]).
- {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} فمنكم ءات بالكفر وفاعل له، ومنكم ءات بالإيمان وفاعل له، ويدل عليه: {والله بما تعملون بصير} عالم وبصير بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم، والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، وكان يجب أن تكونوا بأجمعكم شاكرين، فما بالكم تفرقتم أمما؟ فمنكم كافر ومنكم مؤمن. وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم، وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين، وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق – وهم الدهرية([4]) -، ومنكم مؤمن به.
- {خلق السماوات والأرض بالحق} بالحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم {وصوركم فأحسن صوركم} جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب {وإليه المصير} فأحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم [وإلى جزائه مرجعكم].
- {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه [بضمائر الصدور] أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد.
- {ألم يأتكم} الخطاب لكفار مكة {نبأ الذين كفروا من قبل} يعني: [خبر] قوم نوح وهود وصالح ولوط {فذاقوا وبال أمرهم} أي: [سوء عاقبة] كفرهم في الدنيا {ولهم عذاب أليم} في العقبى.
- {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة {بأنه} [من أجل أنه] {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} بالمعجزات {فقالوا أبشر يهدوننا} أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر {فكفروا} بالرسل {وتولوا} عن الإيمان {واستغنى الله} أطلق ليتناول كل شيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم {والله غني} عن خلقه {حميد} على صنعه.
- {زعم الذين كفروا} أي: أهل مكة، والزعم: ادعاء العلم {أن لن يبعثوا} أنهم يبعثوا {قل بلى} هو إثبات البعث {وربي لتبعثن} أكد الإخبار باليمين، فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في القلب، فكأنه قيل لهم. ما تنكرونه كائن لا محالة {ثم لتنبؤن بما عملتم} [ثم لتخبرن بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا] {وذلك} البعث {على الله يسير} هين.
- {فآمنوا بالله ورسوله} محمد ﷺ {والنور الذي أنزلنا} يعني: القرءان، لأنه يبين حقيقة كل شيء فيهتدى به كما بالنور {والله بما تعملون خبير} [محيط بها لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم عليها] فراقبوا أموركم.
10- {يوم يجمعكم ليوم الجمع} ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون {ذلك يوم التغابن} [يوم تفاوت الأجزية]، وهو مستعار من: تغابن القوم مستعار من: تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث([5]) {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته} [يمح عنه ذنوبه] {ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع] {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} [والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا بأدلته وحججه وءاي كتابه الذي أننزله على عبده محمد ﷺ أولئك ماكثون في النار أبدا لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، وبئس الشيء الذي يصار إليه مصيرهم].
([1]) أي: في كونها مكية أو مدنية أو بعضها مكي وبعضها مدني.
([2]) استرعاه الشيء: طلب منه أن يحفظه ويتعهده.
([3]) معناه إذا حمد عبد غير الله فلأجل أن نعمة الله جرت إليه على يد هذا العبد، أما الله فهو منشئ هذه النعمة.
([4]) الدهرية: هم منكرو الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرءان المجيد: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} [الجاثية: 24].
([5]) ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة: «ما من عبد أدخل النار إلا رأى مقعده في الجنة لو أحسن ليزداد حسرة». وفي المتفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المؤمن: «فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا في الجنة، فيراهما جميعا».
