تفسير سورة الممتحنة من الآية أحد عشر إلى الآية ثلاثة عشر
- تفسير سورة الممتحنة من الآية أحد عشر إلى الآية ثلاثة عشر
وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) - {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} وإن انفلت أحد منهن إلى الكفار {فعاقبتم} فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة، وقيل: هذا الحكم منسوخ أيضا {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [بأداء فرائضه واجتناب معاصيه].
- {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن} يريد وأد البنات {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك، كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده منه بين الرجلين {ولا يعصينك في معروف} [في جميع ما يأمرهن به رسول الله ﷺ من شرائع الإسلام وءادابه] {فبايعهن واستغفر لهن الله} عما مضى {إن الله غفور} بتمحيق([1]) ما سلف {رحيم} بتوفيق ما ائتنف([2]).
روي أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا، [ولم يصافح النبي ﷺ في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام]، وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن عنه بأمره يبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا». فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا يسرقن»، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات([3])، فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال – [وفي رواية قال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف] -، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فقال لها: «إنك لهند» قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: «ولا يزنين». فقالت: أوتزني الحرة؟ فقال: «ولا يقتلن أولادهن»، فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، وكان ابنها حنظلة قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ فقال: «ولا يأتين ببهتان»، فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: «ولا يعصينك في معروف» فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
- {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} ختم السورة بما بدأ به، قيل: هم المشركون {قد يئسوا من الآخرة} من ثوابها لأنهم ينكرون البعث {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} كما يئس أسلافهم الذين هم في القبور من الآخرة([4])، أي هؤلاء كسلفهم، وقيل: هم اليهود، أي لا تتولوا قوما مغضوبا عليهم قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله ﷺ، وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة، كما يئس الكفار من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء.
([1]) الـمحق: المحو والإبطال، وأن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
([2]) ائتنف الشيء: أخذه من أوله وابتدأهن والمراد ما ابتدأتموه من الخير بعد الإسلام.
