تفسير سورة الصف من الآية واحد إلى الآية أحد عشر
سورة الصف
مدنية وهي أربع عشرة ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الصف من الآية واحد إلى الآية أحد عشر
سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11)
- {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} [هذا التسبيح شهادة لله تعالى بالربوبية والوحدانية والقدرة والملك والغنى عن معونة الخليفة بما فيهم من دلائل الصنعة وأعلام الذلة([1])] {وهو العزيز} [الذي لا يمتنع عليه ما يريد] {الحكيم} [الذي لحكمته تعبد خلقه([2]) بالجهاد في إقامة دينه ليعوضهم بذلك النفع العظيم، ويعطيهم النعيم المقيم، ولو شاء لهداهم أجمعين، ولو شاء لأهلكهم بما شاء من غير معين].
روي أنهم قالوا قبل أن يؤمروا بالجهاد: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت ءاية الجهاد، فتباطأ بعضهم، فنزلت.
- 3- {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون(2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله، والمقت: أشد البغض، [والمعنى]: تعظيم الأمر في قلوب السامعين. ثم أعلم الله عز وجل ما يحبه فقال:
- {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} صافين أنفسهم {كأنهم بنيان مرصوص} لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد به استواء نياتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض.
- {وإذ} [واذكر يا محمد إذ} {قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني} بجحود الآيات والقذف بما ليس في([3]) {وقد تعلمون} لم تؤذونني عالمين علما يقينا {أني رسول الله إليكم} وقضية علمكم بذلك توقيري وتعظيمي لا أن تؤذوني {فلما زاغوا} مالوا عن الحق {أزاغ الله قلوبهم} من الهداية، أو لما تركوا أوامره نزع نور الإيمان من قلوبهم، أو فلما [مالوا إلى الباطل] خذلهم وحرمهم توفيق اتباع الحق {والله لا يهدي القوم الفاسقين} لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق.
- {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل} ولم يقل: يا قوم – كما قال موسى – لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه [من حيث إنه لم يكن له فيهم أب وإن كانت أمه منهم] {إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة، وفي حال تبشيري برسول يأتي من بعدي، يعني أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر {فلما جاءهم} عيسى أو محمد عليه الصلاة والسلام {بالبينات} بالمعجزات {قالوا هذا سحر مبين} [ظاهر بين].
- {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين} وأي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله؛ بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، والسحر كذب وتمويه.
- {يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم} هذا تهكم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرءان: هذا سحر، مثلث حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه لطفئه {والله متم نوره} متم الحق ومبلغه غايته {ولو كره الكافرون} [ذلك].
- {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره} ليعليه {على الدين كله} على جميع الأديان المخالفة له [بالحجج والغلبة]، وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام {ولو كره المشركون} [ذلك].
11- {يا أيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [هو استفهام على معنى الحث والعرض] {تؤمنون} كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: {تؤمنون بالله ورسوله} [تدومون على الإيمان] {وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم} ما ذكر من الإيمان والجهاد {خير لكم} من أموالكم وأنفسكم {إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم، فتخلصون وتفلحون.
([1]) أي: أمارات افتقارهم إليه تبارك وتعالى.
([3]) يحتمل أن المراد ما ورد في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] وقد بين المراد بذلك في تفسير تلك الآية، أو هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها.
