تفسير سورة الحشر من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الحشر
مدنية وهي أربع وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الحشر من الآية واحد إلى الآية عشرة
سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5) وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (10)
- {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} [نزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به كل ما في السماوات وما في الأرض] {وهو العزيز} [الذي لا يغالب] {الحكيم} [في قدره وتدبيره وصنعه وتشريعه، يضع الأمور في مواضعها]. روي أن هذه السورة نزلت بأسرها في بني النضير، وذلك أن النبي ﷺ حين قدم المدينة صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر([1]) قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، فلما هزم المسلمون([2]) يوم أحد ارتابوا([3]) ونكثوا([4])، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، فحالف أبا سفيان عند الكعبة([5])، فأمر ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري([6]) فقتل كعبا، ثم خرج ﷺ مع الجيش إليهم، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء([7]) وأذرعات([8])، [ومنهم من خرج إلى خيبر].
- {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني يهود بني النضير {من ديارهم} بالمدينة {لأول الحشر} ومعنى أول الحشر: أن هذا أول حشرهم إلى الشأم، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشأم، أو هذا أول حشرهم، وءاخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو ءاخر حشرهم حشر يوم القيامة {ما ظننتم أن يخرجوا} لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله {فأتاهم الله} أي: أمر الله وعقابه {من حيث لم يحتسبوا} من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف {وقذف في قلوبهم الرعب} الخوف {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} التخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم، وكانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال شأفتهم([9]) وألا تبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار([10])، والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة، وألا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج([11])، وأما المؤمنون فداعيهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن يتسع لهم مجال الحرب، ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه {فاعتبروا يا أولي الأبصار} فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم.
- {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} [ولولا أن قضى الله عليهم] الخروج من الوطن مع الأهل والولد {لعذبهم في الدنيا} بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {ولهم} سواء أجلوا أو قتلوا {في الآخرة عذاب النار} الذي لا أشد منه.
- {ذلك بأنهم} أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شاقوا الله} خالفوه [وعادوه] {ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} [هي سنته في جميع الكفرة].
- {ما قطعتم من لينة أو تركتموها} واللينة: النخلة، وقيل: النخلة الكريمة {قائمة على أصولها فبإذن الله} فقطعها وتركها بإذن الله، [أي خيركم في ذلك واستصوب ذلك كله منكم لحسن نياتكم في ذلك، فمن ترك العجوة – وهي أجود التمر – فلتبقى للمسلمين، ومن قطعها فلزيادة غيظ على الكافرين] {وليخزي الفاسقين} وليذل اليهود [في اعتراضهم أن قطع الشجر المثمر فساد] ويغيظهم أذن في قطعها.
- {وما أفاء الله على رسوله} جعله فيئا له خاصة {منهم} من بني النضير {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} فلم يكن ذلك بإيجاف([12]) خيل أو ركاب منكم على ذلك، والركاب: الإبل، والمعنى: فما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلا ولا ركابا ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم لأنه على ميلين من المدينة، وكان ﷺ على حمار فحسب {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} يعني أن ما خول([13]) الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حي يشاء([14])، ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا، فقسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة منهم لفقرهم {والله على كل شيء قدير}.
- {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} بين لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة، [وقيل]: الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير، وهذه الآية في غنائم كل قرية تؤخذ بقوة الغزاة، وفي الآية بيان مصرف خمسها، [وأربعة أخماسها للغانمين، ولم يذكره في هذه الآية، وقد ذكر مثل ذلك في سورة الأنفال وهو قوله: {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] وإذا بين مصرف الخمس تعين الباقي للغانمين. وقوله تعالى: {لله} [الأنفال: 41] هو للتبرك باسمه تعالى، وقيل: يصرف إلى أسلحة الغزاة، {وللرسول} [الأنفال: 41] له خمس الخمس، {ولذي القربىٰ} [الأنفال: 41] من بني هاشم وبني المطلب استحقوا هذا السهم بالنصرة، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد وفاته ﷺ فسهمه ساقط وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم ولا يعطى أغنياؤهم] {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها [دولة] بين الأغنياء يتكاثرون به [ويتداولونه – أي: يتناقلونه – بينهم، يكون مرة لهذا ومرة لهذا] {وما ءاتاكم الرسول} أعطاكم من قسمة غنيمة أو فيء {فخذوه} فاقبلوه {وما نهاكم عنه} عن أخذه منها {فانتهوا} عنه ولا تطلبوه {واتقوا الله} أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه {إن الله شديد العقاب} لمن خالف رسول الله ﷺ، والأجود أن يكون عاما في كل ما ءاتى رسول الله ﷺ ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه.
- {للفقراء المهاجرين} [قيل: تقديره: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ولكن يكون للفقراء المهاجرين، وقيل: هو] بدل من قوله: {ولذي القربىٰ} والمعطوف عليه. {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} بمكة {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} يطلبون الجنة ورضا الله {وينصرون الله ورسوله} ينصرون دين الله ويعينون رسوله {أولئك هم الصادقون} في إيمانهم وجهادهم.
- {والذين} معطوف على المهاجرين، وهم الأنصار {تبوؤوا الدار} توطنوا المدينة {والإيمان} أخلصوا الإيمان، أو وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك، أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان {من قبلهم} من قبل المهاجرين، لأنهم سبقوهم في تبوء دار الهجرة والإيمان {يحبون من هاجر إليهم} حتى شاطروهم([15]) أموالهم وأنزلوهم منازلهم {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} ولا يعلمون في أنفسهم طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، وقيل: {حاجة} حسدا، [أي: لا يجد الأنصار في قلوبهم حسدا] مما أعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصهم النبي ﷺ به {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} فقر، روي أنه نزل برجل منهم ضيف فنوم الصبية وقرب الطعام وأطفأ المصباح ليشبع ضيفه ولا يأكل هو. وعن أنس: أهدي لبعضهم رأس مشوي وهو مجهود([16]) فوجهه إلى جاره فتداولته تسعة أنفس حتى عاد إلى الأول {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} الظافرون بما أرادوا، والشح: اللؤم وأن تكون نفس الرجل كزة([17]) حريصة على المنع، وأما البخل فهو المنع نفسه، وقيل: الشح: أكل مال أخيك ظلما، والبخل: منع مالك.
{والذين جاؤوا من بعدهم} هم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان، وقيل: من بعدهم إلى يوم القيامة {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} قيل: هم المهاجرون والأنصار {ولا تجعل في قلوبنا غلا} حقدا {للذين ءامنوا} يعني الصحابة {ربنا إنك رؤوف رحيم} [الرأفة: أشد الرحمة، والجمع بينهما للمبالغة والتأكيد].
([1]) أي: غلب رسول الله ﷺ كفار قريش.
([3]) أي: شك اليهود بنو النضير في أمر النبي ﷺ وأنه المنعوت في التوراة.
([5]) أي: حالفه على الإضرار بالنبي ﷺ والمسلمين.
([6]) محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري الحارثي، أبو عبد الرحمٰن، صحابي من الأمراء من أهل المدينة.
([7]) أريحاء: مدينة من بلاد فلسطين.
([8]) أذرعات: بلد في أطراف الشام.
([9]) الشأفة: الأصل، وقيل: شأفة الرجل: أهله وعياله، والشأفة: العداوة.
([11]) الساج: ضرب من الشجر يعظم جدا، والساج خشب يجلب من الهند.
([12]) الإيجاف: الإسراع في السير.
([14]) إن تحرك الخيل والإبل فخاف الكفار وذهبوا من دون قتال فما أخذ منهم غنيمة، أما إن لم يتحرك الخيل والإبل فهربوا عن أموال لهم فأخذها المسلمون فهي فيء.
