تفسير سورة المجادلة من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة المجادلة
مدنية وهي اثنتان وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة المجادلة من الآية واحد إلى الآية عشرة
قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10)
- {قد سمع الله قول التي تجادلك} تحاورك، وهي خولة بنت ثعبلة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة، رءاها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها، فأبت، فغضب، فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا([1]) سني ونثرت بطني – أي كثر ولدي – جعلني عليه كأمه. وروي أنها قالت: إن لي صبيانا صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال ﷺ: «ما عندي في أمرك شيء». وروي أنه قال لها: «حرمت عليه» فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال: «حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، فكلما قال رسول الله ﷺ: «حرمت عليه»، هتفت([2]) وشكت، فنزلت. {في زوجها} في شأنه {وتشتكي إلى الله} تظهر ما بها من المكروه {والله يسمع تحاوركما} مراجعتكما الكلام {إن الله سميع} يسمع شكوى الـمضطر {بصير} بحاله.
- {الذين يظاهرون} [أي: الذين يقول الواحد منهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فيشبهها بظهر أمه في التحريم] {منكم} توبيخ للعرب [في الجاهلية]، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم {من نسائهم} زوجاتهم {ما هن أمهاتهم} [أي على الحقيقة] {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات، والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع، وكذا أزواج رسول الله ﷺ لزيادة حرمتهن، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة، فلذا قال: {وإنهم ليقولون منكرا من القول} تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية {وزورا} وكذبا باطلا منحرفا عن الحق {وإن الله لعفو غفور} لما سلف منهم.
- {والذين يظاهرون من نسائهم} بين في الآية الأولى أن ذلك من قائله منكر وزور، وبين في الثانية حكم الظهار {ثم يعودون لما قالوا} أي: يعودون لنقض ما قالوا، أراد بما قالوا: ما حر7موه على أنفسهم بلفظ الظهار، ثم اختلفوا أن النقض بماذا يحصل؟ فعندنا([3]) بالعزم على الوطء، وعند الشافعية بمجرد الإمساك، وهو ألا يطلقها عقيب الظهار {فتحرير رقبة} فعليه إعااق رقة مؤمنة أو كافرة([4]) {من قبل أن يتماسا} المظاهر والمظاهر منها، والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة([5]) {ذلكم} الحكم {توعظون به} لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه {والله بما تعملون خبير} [لا تخفى عليه خافية].
- {فمن لم يجد} الرقبة {فصيام شهرين} فعليه صيام شهرين {متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع} الصيام {فإطعام} فعليه إطعام {ستين مسكينا} لكل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من غيره([6]) {ذلك} البيان والتعليم للأحكام {لتؤمنوا} لتصدقوا {بالله ورسوله} في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم {وتلك} الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة {حدود الله} التي لا يجوز تعديها {وللكافرين} الذين لا يتبعونها {عذاب أليم} مؤلم.
- {إن الذين يحادون الله ورسوله} يعادون ويشاقون([7]) {كبتوا} أخزوا وأهلكوا {كما كبت الذين من قبلهم} من أعداء الرسل {وقد أنزلنا آيات بينات} تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به {وللكافرين} بهذه الآيات {عذاب مهين} يذهب بعزهم وكبرهم.
- {يوم يبعثهم الله جميعا} [يعذبهم هذا العذاب الـمهين يوم يبعثهم من قبورهم] كلهم لا يترك منهم أحدا غير مبعوث {فينبئهم بما عملوا} [فيخبرهم بما عملوا] تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد {أحصاه الله} أحاط به عددا لم يفته منه شيء {ونسوه} لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه، وإنما تحفظ معظمات الأمور {والله على كل شيء شهيد} لا يغيب عنه شيء.
- {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون} أي: ما يقع {من نجوى ثلاثة} النجوى: التناجي، أي: من نجوى ثلاثة نفر، [وهو ما يسرونه في خلوة] {إلا هو} أي: الله {رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى} ولا أقل {من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، [أي: هو معهم علما وسماعا، لا مكانا] وقد تعالى عن المكان علوا كبيرا([8]) {أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة} فيجازيهم عليه {إن الله بكل شيء عليم} [لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم].
- {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول الله ﷺ [عن تحدثهم سرا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة] فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ﷺ ومخالفته {وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله} يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، والله تعالى يقول: {وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59]، و{يا أيها الرسول] [في غير ءاية من المائدة]، و{يا أيها النبي} [في غير ءاية من الأنفال وغيرها من السور] {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} يقولون فيما بينهم: لو كان نبيا لعاقبنا الله بما نقوله، فقال الله تعالى: {حسبهم جهنم} عذابا {يصلونها} يدخلونها {فبئس المصير} المرجع جهنم.
- {يا أيها الذين ءامنوا} خطاب للمؤمنين {إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر {وتناجوا بالبر} بأداء الفرائض والطاعات {والتقوىٰ} وترك المعاصي {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر.
{إنما النجوى} بالإثم والعدوان {من الشيطان} من تزيينه {ليحزن الذين ءامنوا} [أي: يأمر الشيطان بذلك ليدخل به غما في قلوب المسلمين] {وليس} الشيطان، أو الحزن {بضارهم شيئا إلا بإذن الله} بعلمه وقضائه وقدره {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان.
([1]) خلا الشيء خلوا: مضى، تريد أنها كبرت ومضى معظم عمرها.
([2]) الهتف: الصوت، ويقل: هتفت الحمامة هتفا: ناحت.
([4]) هذا عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، أما عند الإمام الشافعي رحمه الله فلا يكفي عتق الكافرة إلا المسلمة.
([5]) هذا أيضا عند الإمام أبي حنيفة، وعند الإمام الشافعي الذي يحرم قبل ذلك الجماع دون غيره من الاستمتاع.
([6]) أما عند الإمام الشافعي رحمه الله فالإطعام هو مد لكل مسكين أو فقير مما يصح دفعه عن زكاة الفطرة.
