تفسير سورة الحديد من الآية واحد وعشرين إلى الآية تسعة وعشرين
تفسير سورة الحديد من الآية واحد وعشرين إلى الآية تسعة وعشرين
سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29)
ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة، بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك، وهي المغفرة الـمنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة بقوله:
- {سابقوا} سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في الـمضمار([1])، أي بالأعمال الصالحة {إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة([2]) عرف أن طوله أبسط، أو أريد بالعرض البسطة {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} وهذا دليل على أنها مخلوقة {ذلك} الموعود من المغفرة والجنة {فضل الله يؤتيه من يشاء} وهم المؤمنون، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله {والله ذو الفضل العظيم}.
ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله:
- {ما أصاب من مصيبة في الأرض} من الجدب وءافات الزروع والثمار، {ولا في أنفسكم} من الأمراض والأوصاب([3]) وموت الأولاد {إلا في كتاب} إلا مكتوبا في اللوح {من قبل أن نبرأها} من قبل أن نخلق الأنفس {إن ذلك} إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب {على الله يسير} وإن كان عسيرا على العباد.
ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله:
- {لكيلا تأسوا} تحزنوا حزنا يطغيكم {على ما فاتكم} من الدنيا وسعتها، أو من العافية وصحتها {ولا تفرحوا} فرح الـمختال([4]) الفخور {بما ءاتاكم} أعطاكم، يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت، وفرحكم على الآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله، وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا، والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر([5]) الـمطغي الـملهي عن الشكر {والله لا يحب كل مختال فخور} لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس.
- {الذين يبخلون} الذين يفرحون الفرح الـمطغي إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا، فلحبهم له وعزته عندهم يزوونه([6]) عن حقوق الله ويبخلون به {ويأمرون الناس بالبخل} ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك {ومن يتول} يعرض على الإنفاق، أو عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهي عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي {فإن الله هو الغني} عن جميع المخلوقات، فكيف عنه {الحميد} [المستحق للحمد] في أفعاله، [أي: ليس أمره بالجهاد والإنفاق لحاجة؛ بل لإكرام العبد بحسن الجزاء].
- {لقد أرسلنا رسلنا} يعني: أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء {بالبينات} بالحجج والمعجزات {وأنزلنا معهم الكتاب} [أي: الكتب فيها بيان أصول الشرع]، وقيل: الرسل: الأنبياء {والميزان} [والعدل، أي: وأمرنا بالعدل، وقيل: هو ءالة التعامل التي يعرف بها الناس ما يأخذون ويعطون]، روي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به {ليقوم الناس} ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء {بالقسط} بالعدل ولا يظلم أحد أحدا {وأنزلنا الحديد} قيل: نزل ءادم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان([7]) والكلبتان([8]) والـميقعة([9]) والـمطرقة والإبرة([10])، وروي: ومعه الـمر([11]) والـمسحاة([12])، وعن الحسن: {وأنزلنا الحديد} خلقناه {فيه بأس شديد} وهو القتال به {ومنافع للناس} في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد ءالة فيها، أو ما يعمل بالحديد {وليعلم الله من ينصره ورسله} [ليظهر الله للعباد من ينصر دينه] باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين [فالتغير ليس في علم الله؛ بل في هذا الحدث الذي خرج من العدم إلى الوجود، وأما الله تعالى فلم يزل عالما بذلك قبل أن يخلقهم] {بالغيب} [بغيبة من يراه؛ أي: يفعله عن إخلاص، لا كالمنافق يفعله إذا رءاه الناس، ولا يفعله إذا غاب عنهم] {إن الله قوي} يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته {عزيز} يربط بعزته جأش([13]) من يتعرض لنصرته.
- {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام {وجعلنا في ذريتهما} أولادهما {النبوة والكتاب} الوحي: [يعني: الكتب] {فمنهم} فمن الذرية، أو المرسل إليهم {مهتد وكثير منهم فاسقون} هذا تفصيل لحالهم، أي فمنهم من اهتدى باتباع الرسل، ومهم من فسق، أي خرج عن الطاعة، والغلبة للفساق.
- {ثم قفينا على ءاثارهم} أي: [أتبعنا من بعد] نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء [من ذريتهما] {برسلنا} [وهم الرسل الذين جاؤوا بعدهم، أي: أتبعنا من بعدهم واحدا بعد واحد من الرسل] {وقفينا بعيسى ابن مريم} [أتينا به بعدهم] {وءاتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة} مودة ولينا {ورحمة} تعطفا على إخوانهم، كما قال تعالى في صفة أصحاب النبي ﷺ: {رحماء بينهم} [الفتح: 29] {ورهبانية} هي ترهبهم في الجبال، فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة {ابتدعوها} أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها {ما كتبناها عليهم} لم نفرضها نحن عليهم {إلا ابتغاء رضوان الله} أي: ولكنهم [أحدثوها] ابتغاء رضوان الله {فما رعوها حق رعايتها} كما يجب على الناذر رعاية نذره([14])، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه([15]) {فآتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم} أي: أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام [وثبتوا على الإيمان والحق، ومن ذلك الإيمان بمحمد ﷺ] {وكثير منهم فاسقون} [والفاسقون]: الكافرون.
- {يا أيها الذين ءامنوا} الخطاب [لمن ءامن من أهل] الكتاب {اتقوا الله وءامنوا برسوله}، [أي: يا أيها الذين ءامنوا بموسى وعيسى ءامنوا] بمحمد ﷺ {يؤتكم} الله {كفلين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم بمحمد ﷺ وإيمانكم بمن قبله {ويجعل لكم} يوم القيامة {نورا تمشون به} وهو النور المذكور في قوله تعالى: {يسعى نورهم بين أيديهم} [الحديد: 12] {ويغفر لكم} ذنوبكم {والله غفور رحيم}، [وقيل: إنه نداء لمن ءامن من أمة محمد ﷺ، ومعنى: {ءامنوا} دوموا واثبتوا، والمعنى: أنه يؤتكم مثل ما وعد من ءامن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} [القصص: 54] إذا أنتم مثلهم في الإيمانين لا تفرقوا بين أحد من رسله. روي أنه لما نزل هذا الوعد لمؤمني أهل الكتاب وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها، وتزعم أنهم أحباء الله واهل رضوانه فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من ءامن منا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا} الآية].
- {لئلا يعلم} ليعلم {أهل الكتاب} الذين لم يسلموا، ولا مزيدة، [كهي في قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] أي ما منعك أن تسجد كما ورد في سورة ص] {ألا يقدرون} أنه لا يقدرون {على شيء من فضل الله} أي: لا ينالون شيئا مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله ﷺ، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلا قط {وأن الفضل بيد الله} في ملكه وتصرفه {يؤتيه من يشاء} من عباده {والله ذو الفضل العظيم}. [يجزي بالعمل المنقطع ثوابا غير منقطع].
([1]) الـمضمار: الـميدان الذي تضمر فيه خيل السباق.
([3]) الأوصاب: الأوجاع، جمع وصب: وهو الوجع المرض.
([5]) الأشر: البطر، وهو الطغيان في النعمة.
([6]) يزوونه: يقبضونه وينحونه، أي: لا يدفعون ما عليهم من الحقوق فيه.
([7]) السندان: كتلة من الحديد يطرق الحداد عليها الحديد.
([8]) الكلبتان: ما يأخذ به الحداد الحديد الـمحمى.
([9]) الـميقعة: الـمطرقة، والـمسن الطويل، ووقعت السكين: أحددتها استوقع السيف: احتاج إلى الشحذ.
([12]) الـمسحاة: كالـمجرفة إلا أنها من حديد، والـمجرفة: ما يستعمل للأخذ الكثير.
([14]) هذا من بعضهم، ليس من كلهم، بعضهم صدقوا وثبتوا على دين عيسى عليه السلام، وبعضهم انحرفوا ودخلوا في دين ملكهم، هذه الآية فيها شهادة للتصوف.
