تفسير سورة النجم من الآية واحد وثلاثين إلى الآية أربعين
- تفسير سورة النجم من الآية واحد وثلاثين إلى الآية أربعين
ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) - {ولله ما في السماوات وما في الأرض} [ملكا وملكا وخلقا، خلقهم وتعبدهم] {ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا} بعقاب ما عملوا من السوء {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} بالـمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي الـمحسن من المكلفين [بما هو أهله] والمسيء منهم [بما يستحقه].
- {الذين} أي: هم الذين {يجتنبون كبائر الإثم} الكبائر من الإثم، لأن الإثم يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها] {والفواحش} ما فحش من الكبائر {إلا اللمم} أي: الصغائر، والاستثناء منقطع، لأنه ليس من الكبائر والفواحش {إن ربك واسع المغفرة} [حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ما لم يصر عليها، فلسعة مغفرته يغفر ما تيب عنه، ويغفر اللمم لمجتنب الكبائر ما لم يصر عليها، ويغفر ما سلف في الجاهلية، ويغفر] ما يشاء من الذنوب من غير توبة {هو أعلم بكم إذ أنشأكم} أي: أباكم {من الأرض وإذ أنتم أجنة} جمع جنين {في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم} فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وءاخرا قبل أن يخرجكم من صلب ءادم عليه السلام، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم {هو أعلم بمن اتقى} فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس.
- {أفرأيت الذي تولى} أعرض عن الإيمان.
- {وأعطى قليلا وأكدى} قطع عطيته وأمسك، [وقيل]: نزلت فيمن كفر بعد الإيمان، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله فعيره بعض الكافرين وقال له: تركت دين [ءابائك] الأشياخ وزعمت أنهم في النار، قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له – [الذي عيره] – إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أنه يتحمل عنه عذاب الله، ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل به ومنعه، [وقيل: ما دخل في الإسلام ثم كفر، وإنما مدح القرءان وأراد الدخول في الإسلام فعيره بعض الكافرين وكان ما ورد في بقية القصة].
- {أعنده علم الغيب فهو يرى} فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق؟!
- {أم لم ينبأ} يخبر {بما في صحف موسى} أي: التوراة.
- {وإبراهيم} وفي صحف إبراهيم {الذي وفى} أتم [ما أمر به]، وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به.
ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال:
- {ألا تزر وازرة وزر أخرى} لا تحمل نفس ذنب نفس [أما ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعد» فليس معناه أن ذنب هذا الفاعل الأخير ينتقل إلى الفاعل الأول بحيث لا يبقى عليه هو وزر، بل يبقى عليه وزره ويحمل الفاعل الأول وزرا أيضا استحقه بفعل نفسه بتسببه بذلك الوزر].
- {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} إلا سعيه، وهذه أيضا مما في صحف إبراهيم وموسى، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه فقد قيل: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمنا كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعا له وقائما بقيامه، [ولم تنف الآية انتفاع الإنسان بسعي غيره كصدقة وحج عن ميت؛ بل نفت ملك سعي غيره، وسعي الغير ملك لساعيه فإن شاء يبذله لغيره وإن شاء يبقيه لنفسه، فما كان من رحمة بشفاعة أو تضعيف ثواب أو صدقة عملت عن ميت أو حج أو نحو ذلك مما عمل عن الميت بعد وفاته، وكذا ما يناله من الخير بصلاة الجنازة عليه فليس هو للإنسان ولا يقول فيه: لي كذا وكذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو حقيقة؛ بل هو محض فضل زائد من الله تعالى على ما هو له من سعيه].
{وأن سعيه سوف يرى} يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه.
