تفسير سورة الحجرات من الآية أحد عشر إلى الآية ثمانية عشر
- تفسير سورة الحجرات من الآية أحد عشر إلى الآية ثمانية عشر
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18) - {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} القوم: الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء، والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر، إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر، ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رءاه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى. {ولا تلمزوا أنفسكم} ولا تطعنوا أهل دينكم، واللمز: الطعن والضرب باللسان، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه {ولا تنابزوا بالألقاب} التنابز بالألقاب: التداعي بها، والنبز: لقب السوء، والتلقيب الـمنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيرا به وذما له، فأما ما يحبه فلا بأس به، [أي: لا تدع أخاك بما يكره من الأسماء، ولكن ادعه بما يحب، فإن ذلك أعطف لبعضكم على بعض، وأحب إلى الله تعالى]. وروي أن قوما من بني تميم استهزؤوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، وحقيقته ما سما من ذكره ورافع بين الناس، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق، وقوله: {بعد الإيمان} استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان، وقيل: كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، يا فاسق، فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه {ومن لم يتب} عما نهي عنه {فأولئك هم الظالمون} [أنفسهم بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب].
- {يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} المأمور باجتنابه بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله: {إن بعض الظن إثم} قال الزجاج: هو ظنك بأهل الخير سوءا. أو معناه: اجتنابا كثيرا، والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب {ولا تجسسوا} لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم، وعن مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله، وقال سهل: لا تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده {ولا يغتب بعضكم بعضا} الغيبة: الذكر بالعيب في ظهر الغيب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الغيبة إدام كلاب الناس([1]) {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} هذا تمثيل وتصوير لما يناله الـمغتاب من عرض الـمغتاب على أفحش وجه، والاستفهام معناه التقرير بأن أحدا لا يحب أكل جيفة أخيه {فكرهتموه} فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فليتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين {واتقوا الله إن الله تواب رحيم} التواب: البليغ في قبول التوبة، والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.
- {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} من ءادم وحواء، أو كل واحد منكم من أب وأم فما مكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواء بسواء {وجعلناكم شعوبا وقبائل} الشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب: وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها {لتعارفوا} ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزي([2]) إلى غير ءابائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب، ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [أشدكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة] {إن الله عليم} كرم القلوب وتقواها {خبير} بهم النفوس في هواها.
- {قالت الأعراب} أي: بعض الأعراب – لأن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر – وهم أعراب بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة([3])، فأظهروا الشهادة يريدون الصدقة ويمنون عليه {ءامنا} ظاهرا وباطنا {قل} لهم يا محمد: {لم تؤمنوا} لم تصدقوا بقلوبكم {ولكن قولوا أسلمنا} فالإيمان هو التصديق، والإسلام الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} فأعلم أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان، وهذا من حيث اللغة، وأما في الشرع فالإيمان والإسلام واحد لما عرف {وإن تطيعوا الله ورسوله} في السر بترك النفاق {لا يلتكم من أعمالكم شيئا} لا ينقصكم من ثواب حسناتكم شيئا {إن الله غفور} بستر الذنوب {رحيم} بهدايتهم للتوبة عن العيوب.
ثم وصف المؤمنين المخلصين فقال:
- {إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} المعنى: أنهم ءامنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما ءامنوا به، {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} يجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس: الغزو وأن يتناول العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال: نحو صنيع عثمان في جيش العسرة، وأن يتناول الزكاة وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر {أولئك هم الصادقون} الذين صدقوا في قولهم: ءامنا، ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، ولما نزلت هذه الآية جاؤوا وحلفوا أنهم مخلصون فنزل:
- {قل أتعلمون الله بدينكم} أتخبرونه بتصديق قلوبكم، [وهو استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار] {والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} من النفاق والإخلاص وغير ذلك.
- {يمنون عليك أن} أي: بأن {أسلموا} يعني: بإسلامهم، والـمن ذكر الأيادي تعريضا للشكر، ونهينا عنه {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم} أي: الـمنة لله عليكم {أن هداكم} بأن هداكم {للإيمان إن كنتم صادقين} إن صح زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تدعون ما الله عليم بخلافه، وتقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان فلله الـمنة عليكم.
- {إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون} هذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني: أنه تعالى يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه، في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟
([1]) أي: طعام كلاب الناس، شبه المغتابين الذين يخمشون أعراض الناس وينهشونها بالكلاب على الجيفة ينهشونها.
