تفسير سورة الحجرات من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الحجرات
مدنية وهي ثمان عشرة ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الحجرات من الآية واحد إلى الآية عشرة
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)
- {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} نهوا عن الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء([1]) على أمثلة الكتاب والسنة، [والمعنى: لا تقطعوا أمرا إلا بعدما يحكم أو يأذن به الله ورسوله فتكونوا عاملين بالوحي المنزل، أو مقتدين برسول الله ﷺ] وفي هذا تمهيد لما نقم([2]) منهم من رفع أصواتهم فوق صوته عليه الصلاة والسلام، لأن من فضله الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت {واتقوا الله} فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها {إن الله سميع} لما تقولون {عليم} بما تعملون، وحق [من هذه صفته] أن يتقى.
- {يا أيها الذين ءامنوا} إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتحريك منهم لئلا يغفلوا عن تأملهم {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} أي: إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكن كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} أي: إذا كلمتمموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم ألا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر، ولم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالـمخافتة، وإنما نهوا عن الجهر المنعوت بمماثلة ما اعتادوه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة([3]) النبوة وجلالة مقدارها، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوة والتعظيم {أن تحبط أعمالكم} انتهوا عما نهيتم عنه لخشية حبوطها {وأنتم لا تشعرون} [ذكر هذا ليكونوا أبدا متيقظين بين يدي رسول الله ﷺ حذرين معظمين له في كل وقت، لئلا يكون منهم في أي وقت ما يجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم، فإن كانت الآية معرضة بمن يجهر استخفافا فذلك كفر يحبط معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعل رفع الصوت والجهر غفلة وجريا على عادته، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي ﷺ وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك].
- {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيما له {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} أخلصها للتقوى، وحقيقته: عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة {لهم مغفرة وأجر عظيم} قيل: نزلت في الشيخين رضي الله عنهما لما كان منهما من غض الصوت [وهي] دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم.
- {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} نزلت في وفد بني تميم، أتوا رسول الله ﷺ وقت الظهيرة وهو راقد، وفيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، ونادوا النبي ﷺ من وراء حجراته، وقالوا: اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فاستيقظ وخرج، والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص من خلف أو قدام، والحجرات: حجرات نساء رسول الله ﷺ، وكانت لكل منهن حجرة {أكثرهم لا يعقلون} [فيما فعلوه محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم]، وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله ﷺ؛ منها التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله ﷺ متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه ﷺ عند الله تعالى، ثم عقبه بما هو أطم([4]) وهجنته أتم من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء [معه] من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغا.
- {ولو أنهم صبروا} ولو ثبت صبرهم {حتى تخرج إليهم لكان} الصبر {خيرا لهم} في دينهم [لأن الله قد أمرهم بتوقيرك] {والله غفور رحيم} بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.
- {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ} أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله ﷺ مصدقا([5]) إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة([6]) في الجاهلية، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله ﷺ: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فبعث خالد بن الوليد، فوجدهم يصلون، فسلموا إليه الصدقات، وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبأ {فتبينوا} فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق([7]) لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه {أن تصيبوا قوما} لئلا تصبوا {بجهالة} جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة {فتصبحوا} فتصيروا {على ما فعلتم نادمين} الندم ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع.
- {واعلموا أن فيكم رسول الله} فلا تكذبوا فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} لوقعتم في الهلاك، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني الـمصطلق وتصديق قول الوليد، وأن بعضهم كانا يتصونون ويزعهم([8]) جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} قيل: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى {وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر} وهو تغطية نعم الله وغمطها([9]) بالجحود {والفسوق} وهو الخروج عن محجة([10]) الإيمان بركوب الكبائر {والعصيان} وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع {أولئك هم الراشدون} أولئك المستثنون هم الراشدون، يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة.
- {فضلا من الله ونعمة} [وهذا الخير الذي حصل لهم حصل بإفضال الله وإنعامه] {والله عليم} بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل {حكيم} حين يفضل وينعم بالتوفيق على الأفاضل.
- {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [مر] رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار [فيهم عبد الله بن أبي المنافق، ورسول الله ﷺ على حماره فوقف عليهم يعظهم]، فأمسك ابن أبي بأنفه، وقال: [إليك عني، فوالله لقد ءاذاني نتن حمارك]، فقال عبد الله ابن رواحة: والله [لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك]، ومضى رسول الله ﷺ وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا([11])، وجاء قوماهما، فتجالدوا بالعصى، وقيل: بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله ﷺ فأصلح بينهم ونزلت، [والآية نزلت في طائفتين من المؤمنين، وعب الله ابن أبي كان منافقا، لكن يرجع ذلك إلى أصحاب ابن أبي وعشرته ولم يكونوا كلهم منافقين، فالآية تتناول المؤمنين منهم. وقيل في سبب نزولها غير هذا] {فإن بغت إحداهما على الأخرى} البغي: الاستطالة والظلم وإباء الصلح {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} ترجع {إلى أمر الله} المذكور في كتابه من الصلح وزوال الشحناء {فإن فاءت} عن البغي إلى أمر الله {فأصلحوا بينهما بالعدل} بالإنصاف {وأقسطوا} واعدلوا {إن الله يحب المقسطين} العادلين.
{إنما المؤمنون إخوة} [متآخون في الإسلام بعضهم أولياء بعض] {فأصلحوا بين أخويكم} هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهم الـمشاقة من المؤمنين، ثم قد جرت العادة أنه إذا نشب مثل ذلك بين الأخوين ولادا لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما، فالإخوة في الدين أحق بذلك {واتقوا الله لعلكم ترحمون} واتقوا الله فالتقوى تحملكم على التواصل والائتلاف، وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم مرجوا، والآية تدل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي.
([5]) أي: ءاخذا الزكوات منهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد.
([6]) الإحنة: الحقد وإضمار العداوة.
