تفسير سورة الفتح من الآية واحد وعشرين إلى الآية تسعة وعشرين
- تفسير سورة الفتح من الآية واحد وعشرين إلى الآية تسعة وعشرين
وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) - {وأخرى} أي: فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى هي مغانم هوازن في غزوة حنين([1])، [وقيل: فارس والروم وما فتحه المسلمون، وقيل: مكة] {لم تقدروا عليها} لما كان فيها من الجولة {قد أحاط الله بها} قدر عليها واستولى وأظهركم عليها، [أو وأعدها لكم وحبسها عليكم] {وكان الله على كل شيء قديرا} [من فت هذه القرى، وإنجاز هذه المواعيد، وكل شيء].
- {ولو قاتلكم الذين كفروا} من أهل مكة ولم يصالحوا، أو من حلفاء أهل خيبر {لولوا الأدبار} لغلبوا وانهزموا {ثم لا يجدون وليا} يلي أمرهم {ولا نصيرا} ينصرهم، [وفي ذلك إيناس لهم عن الوحشة التي اعترت بعضهم بانصرافهم، وتشجيع لقلوبهم على كل جهاد].
- {سنة الله} سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله: {لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] {التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} تغييرا، [أي أجرى الله تعالى العادة في الأمم الخالية أن الكافرين مخذولون وإن أمهلوا إلى حين].
- {وهو الذي كف أيديهم عنكم} أي: أيدي أهل مكة {وأيديكم عنهم} عن أهل مكة، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة وذلك يوم الفتح، وقيل: كان في غزوة الحديبية لما روي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة [من فتيانهم يطلبون غرة([2]) في عسكر المسلمين] فبعث رسول الله ﷺ من هزمه وأدخله حيطان مكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت {ببطن مكة} بمكة، أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم {من بعد أن أظفركم عليهم} أقدركم وسلطكم {وكان الله بما تعملون بصيرا} [ولم يزل بأعمالكم وأعمالهم بصيرا لا يخفى عليه منها شيء].
- {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي} هو ما يهدى إلى الكعبة، أي: وصدوا الهدي {معكوفا أن يبلغ} محبوسا عن أن يبلغ – وكان عليه الصلاة والسلام ساق سبعين بدنة – {محله} مكانه الذي يحل فيه نحره، والمراد الـمحل المعهود وهو منى، [أي: كفار قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام، ومنعوا الهدي وحبسوه أن يبلغ محل نحره، وهو الحرم] {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} بمكة {لم تعلموهم} صفة للرجال والنساء جميعا، [أي: لم تعرفوا أعيانهم وأنهم مؤمنون] {أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة} [مساءة] وسوء قالة([3]) المشركين [أن المسلمين] فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، [وتألم النفس منه باقي الزمن] {بغير علم} يعني أن تطؤوهم غير عالمين بهم، والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة، والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم، فقيل: ولولا أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مشقة [وحزن وندامة دائمة إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم] لما كف أيديكم عنهم {ليدخل الله في رحمته من يشاء} تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع عن قتلهم، صونا لمن بين أظهرهم من المؤمنين {لو تزيلوا} لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين {لعذبنا الذين كفروا منهم} من أهل مكة {عذابا أليما} [في الدنيا بسيوفكم، فبين أن الحكمة في صرف المؤمنين عن دخول مكة كانت لسلامة هؤلاء المؤمنين المستضعفين المغمورين بمكة، وفيه بيان قدر ضعفاء المؤمنين عند الله].
- {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} [قالوا: قتل محمد ءاباءنا وإخوتنا، ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا، والله لا يدخل علينا] {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} سكينة المؤمنين هي الوقار [وعدم الاضطراب]، يروى أن رسول الله ﷺ لما نزل بالحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتابا، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة» فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: «اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» فهم المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله ﷺ السكينة، فتوقروا وحلموا {وألزمهم كلمة التقوى} كلمة الشهادة باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها، [يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة، فخص الله بها المؤمنين] {وكانوا} أي: المؤمنون {أحق بها} من غيرهم {وأهلها} بتأهيل الله إياهم {وكان الله بكل شيء عليما} فيجري الأمور على مصالحها.
- {لقد صدق الله رسوله الرؤيا} صدقه رؤياه ولم يكذبه، تعالى الله عن الكذب [أي: أراه ما أراه في المنام صدقا لا خلف فيه]. روي أن رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة ءامنين وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول الله حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي([4]) وغيره: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت {بالحق} أي: صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله [في وقته المقدر له] صدقا ملتبسا بالحق أي بالحكمة البالغة، وذلك لما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم {ءامنين محلقين رؤوسكم} أي: جميع شعورها {ومقصرين} بعض شعورها {لا تخافون} حال مؤكدة {فعلم ما لم تعلموا} من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل {فجعل من دون ذلك} من دون فتح مكة {فتحا قريبا} وهو فتح خيبر لتستروح([5]) إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.
- {هو الذي أرسل رسوله بالهدى} بالتوحيد {ودين الحق} أي: الإسلام {ليظهره} ليعليه {على الدين كله} على الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب، قيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر، وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات {وكفى بالله شهيدا} على أن ما وعده كائن.
- {محمد رسول الله والذين معه} أي: أصحابه {أشداء على الكفار} غلاظ {رحماء بينهم} متعاطفون، وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه {تراهم ركعا} راكعين {سجدا} ساجدين، [مع جهادهم في سبيل الله كانوا مجتهدين في العبادة لله تعالى] {يبتغون فضلا من الله} [بتضعيف الحسنات] {ورضوانا} [بعفو السيئات] {سيماهم} علامتهم {في وجوههم من أثر السجود} استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل {ذلك} المذكور {مثلهم في التوراة} صفتهم، [أي: ذكروا في التوراة أنهم أشداء على الكفار… إلى ءاخره] {ومثلهم في الإنجيل} [هذا على حقيقة الـمثل] {كزرع أخرج شطأه} فراخه {فآزره} قواه، [أي: قوى الشطء أصل الزرع بالتفافه عليه وتكاثفه] {فاستغلظ} فصار [قصب الزرع] من الرقة إلى الغلظ {فاستوى على سوقه} فاستقام على قصبه، جمع ساق {يعجب الزراع} يتعجبون من قوته، وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم لأن النبي ﷺ قام وحده، ثم قواه الله تعالى بمن ءامن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع {ليغيظ بهم الكفار} [جعلهم كذلك ليغيظ الكفار بنمائهم] وترقيهم في الزيادة والقوة {وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة} [عفوا عن السيئات] {وأجرا عظيما} [في الجنة بما لا ينقطع من الكرامات].
([1]) حنين: واد قريب من مكة بينه وبينها ثلاث ليال.
([2]) أي يطلبون من هو مبتعد عن المعسكر من المسلمين ليصيبوهم.
([3]) القالة: القول الفاشي في الناس.
