تفسير سورة الزخرف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة الزخرف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) - {ونادى فرعون في قومه} نادى بنفسه عظماء القبط أو أمر مناديا فنادى {قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار} [أي: نيل مصر وسائر الأنهار المتشعبة منه وأعظمها أربعة] {تجري من تحتي} من تحت [قصوري] {أفلا تبصرون} قوتي وضعف موسى؟ وغناي وفقره؟
- {أم أنا خير} كأنه قال: أثبت عندكم واستقر أني أنا خير وهذه حالي {من هذا الذي هو مهين} ضعيف حقير {ولا يكاد يبين} الكلام لما كان به من [العقدة الخفيفة – وهي بطء خفيف في الكلام – من أثر تلك الجمرة التي وضعها على لسانه عندما كان صغيرا، وقد أذهب الله عنه هذه العقدة بدعائه عليه السلام عندما نزل عليه الوحي، وكان عليه السلام في غاية البيان في حال مخاطبة فرعون وملئه، ولكن الخبيث وصفه بذلك تمويها على الضعفة وإرادة التنقيص].
- {فلولا} فهلا {ألقي عليه أسورة} جمع سوار {من ذهب} أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الـملك([1]) إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار، وطوقوه بطوق من ذهب {أو جاء معه الملائكة مقترنين} يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده([2]) وأنصاره وأعوانه، [وقول اللعين: هلا ألقى عليه ربه كذا، وهلا أرسل معه الملائكة، ليس لإقراره بالله وملائكته ورسله، لكن بناه على قول موسى عليه السلام؛ يعني: إن كان الأمر على ما يقول فهلا ضم إليه ملائكته، وهلا أظهر إليه تشريفه وكرامته].
- {فاستخف قومه} استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه {فأطاعوه} [في تكذيب موسى] {إنهم كانوا قوما فاسقين} خارجين عن دين الله.
- {فلما ءاسفونا} [أسخطونا] {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي، [فاستحقوا] أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا وألا نحلم عنهم [فأغرقناهم في البحر].
- {فجعلناهم سلفا} أي: [فريقا] قد سلف {ومثلا} وحديثا سائرا مسير الـمثل يضرب بهم الأمثال، ويقال: مثلكم مثل قوم فرعون {للآخرين} لمن يجيء بعدهم.
- {ولما ضرب ابن مريم مثلا} لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] غضبوا، فقال ابن الزبعرى([3]): يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» فقال: ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيرا، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون. فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءالهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101]، والمعنى: ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا لآلهتهم وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه {إذا قومك} قريش {منه} من هذا الـمثل {يصدون} يرتفع لهم جلبة([4]) وضجيج فرحا وضحكا بما سمعوا.
- {وقالوا أآلهتنا خير أم هو} يعنون أن ءالهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر ءالهتنا هينا {ما ضربوه} ما ضربوا هذا المثل {لك إلا جدلا} إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لطلب الـميز بين الحق والباطل {بل هم قوم خصمون} لد([5]) شداد الخصومة، دأبهم اللجاج، وذلك أن قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون} لم يرد به إلا الأصنام؛ لأن (ما) لغير العقلاء، إلا أن ابن الزبعرى بخداعه لما رأى كلام الله محتملا لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير وجد للحيلة مساغا فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق الجدال والمكابرة.
- {إن هو} ما عيسى {إلا عبد} كسائر العباد أنعمنا عليه} بالنبوة {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} وصيرناه عبرة عجيبة كالـمثل الثائر لبني إسرائيل [يتمثل بها في الاستدلال على قدرة الله تعالى].
{ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض} بدلا منكم، ومن بمعنى البدل، [ومن ذلك قوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: 38] أي: بدل الآخرة] {يخلفون} يخلفونكم في الأرض.
([1]) مقاليد الـملك: أسبابه التي هي كالمفاتيح له.
([3]) عبد الله ابن الزبعرى القرشي السهمي، كان من أشعر قريش، وكان شديدا على المسلمين، ثم أسلم يوم الفتح.
([5]) الألد: الخصم الجدل الشحيح الذي لا يميل إلى الحق؛ وجمعه: لد.
