تفسير سورة فصلت من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة فصلت من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30)
{وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} لما تعاظمهم من شهادتها عليهم {قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} من الحيوان، والمعنى أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان {وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} هو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه. - {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} أي أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} وهو الخفيات من أعمالكم.
- {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} وذلك الظن هو الذي أهلككم {فأصبحتم من الخاسرين} [من الهالكين].
- {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} [أي: إن صبروا أو لم] يصبروا لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء([1]) في النار {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} وإن يطلبوا الرضا فما هم من الـمرضيين.
- {وقيضنا لهم} قدرنا لمشركي مكة، وقيل: سلطنا عليهم] {قرناء} أخدانا([2]) من الشياطين، جمع قرين {فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات، وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا بعث ولا حساب، [فقيل: {ما بين أيديهم}: الآخرة؛ لأنها أمامهم، {وما خلفهم}: الدنيا؛ لأنهم يتركونها، وقيل: هو على القلب، {ما بين أيديهم}: الدنيا؛ لأنها حاضرة لهم، {وما خلفهم}: الآخرة؛ لأنها من بعد هذا تأتيهم] {وحق عليهم القول} كلمة العذاب، [هو قوله تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85]، أي: تحقق هذا الوعد فيهم] {في أمم} في جملة أمم {قد خلت} [مضت] {من قبلهم} قبل أهل مكة {من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} هو تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير لهم وللأمم.
- {وقال الذين كفروا} [أي: مشركو قريش] {لا تسمعوا لهذا القرءان} إذا قرئ {والغوا فيه لعلكم تغلبون} وعارضوه بكلام غير مفهوم حتى تشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته، واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته([3]).
- {فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا} يجوز أن يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، ولكن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم، [والعذاب الشديد: قيل: في الدنيا؛ وكان ذلك يوم بدر] {ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} أي أعظم العقوبة على أسوأ أعمالهم، وهو الكفر.
- {ذلك جزاء أعداء الله} {ذلك}: إشارة إلى الأسوأ {النار لهم فيها دار الخلد} أي النار في نفسها دار الخلد، كما تقول: لك في هذه الدار دار السرور؛ وأنت تعني الدار بعينها {جزاء} جوزوا بذلك جزاء {بما كانوا بآياتنا يجحدون} [بسبب جحودهم في الدنيا بآياتنا].
- {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا} الشيطانين اللذين أضلانا {من الجن والإنس} لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] {نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} [في الدرك الأسفل] في النار جزاء إضلالهم إيانا.
{إن الذين قالوا ربنا الله} أي نطقوا بالتوحيد {ثم استقاموا} ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته، وعن الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا، وعنه أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا، قال حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان، وعن عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغن الثعالب؛ أي لم ينافقوا، وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا العمل، وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض {تتنزل عليهم الملائكة} عند الموت [بالبشارة مترادفين] {ألا تخافوا} أي لا تخافوا ما تقدمون عليه {ولا تحزنوا} على ما خلفتم، فالخوف غم يلحق الإنسان لتوقع المكروه، والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار، والمعنى أن الله كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أبدا {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} في الدنيا.
