تفسير سورة فصلت من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة فصلت من الآية أحد عشر إلى عشرين
ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) - {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [قيل: إن المادة التي خلقت منها السماء كانت دخانا([1])، وروي أنها كانت جسما رخوا كالدخان أو البخار فجعلها سماء واحدة ففتقها([2]) فجعلها سبع سماوات في يومين] {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} هو مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا، ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض، وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه تعالى أراد أن يكونهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما: وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان – والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين – لأنه تعالى خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30]، فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائتي يا أرض مدحوة قرارا لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضيا، وقوله تعالى: {طوعا أو كرها}: لبيان تأثير قدرته فيهما، كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أم أبيت.
- {فقضاهن} فأحكم خلقهن {سبع سماوات في يومين} في يوم الخميس والجمعة {وأوحى في كل سماء أمرها} ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات([3]) وغير ذلك {وزينا السماء الدنيا} القريبة من الأرض {بمصابيح} بكواكب [فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها] {وحفظا} وحفظناها من المسترقة([4]) بالكواكب حفظا([5]) {ذلك تقدير العزيز} الغالب غير المغلوب {العليم} بمواقع الأمور.
- {فإن أعرضوا} عن الإيمان بعد هذا البيان {فقل أنذرتكم} خوفتكم {صاعقة} عذابا شديد الوقع كأنه صاعقة، وأصلها رعد معه نار {مثل صاعقة عاد وثمود} [أي خوفتكم عذابا شديدا يهلككم مثل الذي أهلكهم].
- {إذ جاءتهم الرسل} [إذ جاءت عادا وثمود الرسل؛ وذلك أن الله بعث إلى عاد هودا فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمته إلى ءابائهم أيضا فكذبوهم فأهلكوا، وبعث صالحا إلى ثمود فكذبوه فأهلكوا هكذا] {من بين أيديهم ومن خلفهم} أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة فلم ير,ا مهم إلا الإعراض {ألا تعبدوا إلا الله} [جاءتهم الرسل بألا تعبدوا إلا الله] {قالوا} [لرسلهم]: {لو شاء ربنا} إرسال الرسل {لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون} معناه: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به، وقوله: {أرسلتم به} ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه {أرسلتم به} ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هم على كلام الرسل، وفيه تهكم، وقولهم: {فإنا بما أرسلتم به كافرون} خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان.
ثم بين ما ذكر من صاعقة عاد وثمود فقال:
- {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق} تعظموا [على نبيهم بغير حق لما خوفوا بالعذاب] {وقالوا من أشد منا قوة} كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده {أولم يروا} أولم يعلموا علما يقوم مقام العيان {أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} أوسع منهم قدرة، لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره {وكانوا بآياتنا يجحدون} كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد الـمودع الوديعة.
- {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} عاصفة تصرصر، أي تصوت في هبوبها؛ من الصرير، أو باردة تحرق لشدة بردها [من] الصر وهو البرد، [وهي] الدبور([6]) {في أيام نحسات} مشؤومات عليهم {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} وهو الذل [والفضيحة] {ولعذاب الآخرة أخزى} [أي: أشد فضيحة] {وهم لا ينصرون} من الأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم.
- {وأما ثمود فهديناهم} بينا لهم الرشد {فاستحبوا العمى على الهدى} فاختاروا الكفر على الإيمان {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} داهية العذاب الـمهلك الـمهين] {بما كانوا يكسبون} بكسبهم؛ وهو شركهم ومعاصيهم.
- {ونجينا الذين ءامنوا} اختاروا الهدى على العمى من تلك الصاعقة {وكانوا يتقون} اختيار العمى على الهدى.
- {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار} أي الكفار من الأولين والآخرين، [ذكر عذابهم في الدنيا ثم عذابهم في الآخرة] {فهم يوزعون} يحبس أولهم على ءاخرهم، أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار؛ [أي: فهم مع كثرتهم وتفاوتهم لا يكونون مهملين بل يحبس أولهم على ءاخرهم إذا تفرقوا، وهذا الوزع([7]) على سبيل العقوبة].
{حتى إذا ما جاؤوها} صاروا بحضرتها([8]) {شهد عليهم سمعهم} [أي: ءاذانهم] {وأبصارهم} [أي: عيونهم] {وجلودهم} شهادة الجلود بالملامسة الحرام {بما كانوا يعملون} [بهذه الأعضاء؛ وذلك إذا جحدوا بألسنتهم وقالوا: {ما كنا نعمل من سوء}([9]) [النحل: 28]].
([1]) كانت دخانا ثم صارت جرما صلبا.
([5]) يعني أن الملائكة تقتبس من الكواكب شهبا فترمي بها الشياطين.
([6]) قال عليه الصلاة والسلام: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» رواه البخاري ومسلم. الدبور ريح تقبل من جهة المغرب، والصبا الريح التي تهب من مطلع الشمس.
([9]) عندما ينكرون كفرهم ومعاصيهم يختم الله تعالى على أفواههم فيعزها عن الكلام وينطق جوارحهم وجلودهم فتشهد عليهم بما عملوا.
