تفسير سورة يس من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة يس من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) - {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا {فهم لها مالكون} أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الـملاك، مختصون بالانتفاع بها.
- {وذللناها لهم} وصيرناها منقادة لهم، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله تعالى وتسخيره لها، ولهذا [أرشد] الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} [الزخرف: 13] {فمنها ركوبهم} وهو ما يركب {ومنها يأكلون} سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها.
- {ولهم فيها منافع} من الجلود والأوبار([1]) وغير ذلك {ومشارب} من اللبن، وهو جمع مشرب، وهو موضع الشرب، أو الشراب {أفلا يشكرون} الله على إنعام الأنعام.
- {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون} لعل أصنامهم تنصرهم إذا حزبهم([2]) أمر.
- {لا يستطيعون} أي ءالهتهم {نصرهم} نصر عابديهم {وهم لهم} أي الكفار للأصنام {جند} أعوان {محضرون} يخدمونهم ويذبون عنهم([3]).
- {فلا يحزنك قولهم} فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم {إنا نعلم ما يسرون} من عداوتهم {وما يعلنون} وإنا مجازوهم عليه، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن([4]).
ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظما باليا وجعل يفته بيده ويقول: يا محمد: أترى الله يحيي هذا بعدما رم([5])؟! فقال رسول الله ﷺ: «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم».
- {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} مذرة([6]) خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة {فإذا هو خصيم مبين} بين الخصومة، أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعدما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف وألصقه به وهو كونه منشأ من موات([7]) وهو ينكر إنشاءه [بعد الموت والبلى] من موات، وهو غاية المكابرة.
- {وضرب لنا مثلا} بفته العظم {ونسي خلقه} من الـمني، فهو أغرب من إحياء العظم {قال من يحيي العظام وهي رميم} هو اسم لما بلي من العظام، المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة([8]) رطبة في بدن حي حساس.
- {قل يحييها الذي أنشأها} خلقها {أول مرة} أي ابتداء {وهو بكل خلق} مخلوق {عليم} لا تخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر، فيجمعه ويعيده كما كان.
{الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} تقدحون، ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي توري([9]) بها الأعراب، وأكثرها من الـمرخ والعفار، لأن المرخ سريع الوري والعفار: شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضروان فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بإذن الله، فمن قدر على جمع الماء – [لأن خضرة الشجر بسبب المائية التي فيه] – والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معا بلا ترتيب([10]).
([2]) حزبهم: أي أصابهم واشتد عليهم.
([3]) يدفعون عنهم المسبة والذم.
([4]) قال الطبري في تفسيره: إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قول ذلك الحسد، وهم يعلمون أن الذي جئت به ليس بشعر ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب، فنعلم ما يسرون من معرفتهم بحقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانية.
([7]) الـموات بالفتح: ما لا روح فيه، والأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد، والمراد هنا المعنى الأول.
([9]) توري: أي توقد، والوري: الإيقاد.
([10]) الله تعالى جعل الموت والحياة في البشر على التعاقب، حياة ثم موت ثم حياة، ولم يجمع في إنسان واحد الموت والحياة في ءان واحد، أما الشجر فقد جمع فيه الماء والنار في وقت واحد، فيخرج منه النار وهو أخضر ما زالت المائية فيه، فجمع الضدين فيه في ءان واحد أغرب من وجود الحياة والموت في الناس وهما ضدان على التعاقب، فمن أخرج من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر لا يمتنع عليه ما أراد.
