تفسير سورة يس من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة يس من الآية واحد وستين إلى سبعين
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) - {وأن اعبدوني} وحدوني وأطيعوني {هذا} إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمٰن {صراط مستقيم} أي صراط بليغ في استقامته، ولا صراط أقوم منه.
- {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} [أي خلقا كثيرا] {أفلم تكونوا تعقلون} استفهام تقريع([1]) على تركهم الانتفاع بالعقل.
- {هذه جهنم التي كنتم توعدون} بها.
- {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها.
- {اليوم نختم على أفواههم} نمنعهم من الكلام {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث: «يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل»([2]).
- {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم، والطمس: تعفية شق العين([3]) حتى تعود ممسوحة {فاستبقوا الصراط} فاستبقوا إلى الصراط {فأنى يبصرون} فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم.
- {ولو نشاء لمسخناهم} قردة وخنازير، أو حجارة {على مكانتهم} في منازلهم حيث يجترحون([4]) المآثم {فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء.
- {ومن نعمره ننكسه في الخلق} من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفا وبدل الشباب هرما، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسد وخلو من عقل وعلم([5])، ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم، فيجعل أعلاه أسفله {أفلا يعقلون} أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويبعثهم بعد الموت.
وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ: شاعر، فنزل:
- {وما علمناه الشعر} أي وما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام قول الشعر على معنى أن القرءان ليس بشعر، فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية؟ فلا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت {وما ينبغي له} وما يصح له، ولا يليق بحاله {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن، وما هو إلا قرءان كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين.
{لينذر} القرءان، أو الرسول {من كان حيا} عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت {ويحق القول} [وتثبت] كلمة العذاب {على الكافرين} الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات.
([1]) التقريع: توبيخ وتأنيب وتعنيف، وقيل هو الإيجاع باللوم.
([2]) أي: هو يعود يذم أعضاءه التي شهدت عليه بلسانه، سحقا مثل بعدا: دعاء بمعنى الإبعاد من الخير، هذا الأصل فيه، ويستعمل بمعنى المسبة، وسحقا من سحيق أي بعيد.
([3]) أي: محو أثرها كأنها لم تكن.
([4]) أي: يكتسبون، كقوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] أي اكتسبوا.
