تفسير سورة يس من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة يس من الآية واحد وخمسين إلى ستين
ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) - {ونفخ في الصور} هي النفخة الثانية، والصور: القرن {فإذا هم من الأجداث} القبور {إلى ربهم ينسلون} [إلى موضع حساب ربهم] يعدون([1]).
- {قالوا} أي الكفار: {يا ويلنا من بعثنا} من أنشرنا([2]) {من مرقدنا} مضجعنا [أي إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها قالوا ذلك من شدة الفزع، أي صار عذاب القبر كالرقاد في جنب ما نستقبله من عذاب جهنم، أي ما نستقبله أشد علينا] {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} كلام الملائكة، أو المتقين، أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضا، ومعناه: هذا وعد الرحمٰن وصدق المرسلين، أو هذا الذي وعده الرحمٰن وصدق فيه المرسلون.
- {إن كانت} النفخة الأخيرة {إلا صيحة واحدة} [إلا نفخة واحدة في البوق] {فإذا هم جميع لدينا محضرون} للحساب، ثم ذكر ما يقال لهم في ذلك اليوم.
- {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، كأنه يقول – والله أعلم -: اليوم لا توضع نفس في غير موضعها الذي قدره الله تعالى لها، ولكن توضع بحسب عملها في الدنيا على ما وعد الله تعالى وأوعد، أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول – والله أعلم -: فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى كل نفس ما كسبت؛ كقوله تعالى: {ولم تظلم منه شيئا} [الكهف: 33] أي: لم تنقص منه شيئا، أو لا يحمل على نفس ذنب غيرها، بل يجزي الله تعالى كل نفس جزاء عملها، والله أعلم].
- {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} [مما فيه أهل النار من العذاب، ومما هم فيه من التقلب في النعيم وأنواع الـملاذ] {فاكهون} الفاكه والفكه: الـمتنعم المتلذذ.
- {هم وأزواجهم في ظلال} جمع ظل وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس {على الأرائك} جمع الأريكة، وهي السرير في الحجلة([3])، أو الفراش فيها {متكؤون}.
- {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} من الدعاء، أي كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم، أو يتمنون.
- {سلام} كأنه قال: لهم سلام يقال لهم {قولا من رب رحيم} المعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة([4]) تعظيما لهم، وذلك مـتمناهم، ولهم ذلك لا يمنعونه.
- {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، [فإنهم يجزون على ضد ما تجزون به] وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة.
{ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} العهد: الوصية، وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلائل السمع([5])، وعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم [من الشرك] ([6]).
([2]) من أحيانا بعد موتنا، كقوله تعالى: {ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 22] أي أحياه بعد موته.
([3]) الحجلة بفتحتين: بيت يزين بالثياب والأسرة والستور.
([4]) أي أن الله يسمعهم ذلك السلام بكلامه الذي ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة.
([5]) ما يبلغهم به الأنبياء من الكتب السماوية، وما يوحي به على ألسنة الأنبياء، لأن الكتب السماوية فيها نهي أكيد عن الشرك والأنبياء يبينون ذلك بيانا كافيا.
([6]) لا تسمى كل طاعة للشيطان عبادة له، وإنما لما عبدوا غير الله تعالى طاعة للشيطان وبوسوسته نسبت العبادة له؛ كأنهم عبدوه.
